Connect with us

رأي

الكورة والمزارع!

حان الوقت لأن نقدم في مصر نموذجًا خاصًا، لا بنقل تجربة أجنبية، بل بتطوير فكرة تناسب بيئتها وثقافتها، لتصبح الزراعة والرياضة شريكين في صناعة أسلوب حياة جديد

على مدار عقود، ارتبطت الرياضة ببناء الإنسان، والزراعة بإنتاج الغذاء، لكن العالم بدأ يكتشف أن المستقبل يمكن أن يجمع بينهما في نموذج واحد يصنع مجتمعًا أكثر صحة واستدامة.

فالملاعب لم تعد مجرد أماكن للمنافسة، والمزارع لم تعد مجرد حقول للإنتاج، بل أصبحت فضاءات يمكن أن تقدم نمط حياة متكاملاً يجمع بين النشاط البدني والغذاء الصحي والطبيعة.

إنها فلسفة جديدة يمكن تلخيصها في عبارة بسيطة: “ملاعب تطعم مجتمعاتها”.

في السنوات الأخيرة، ظهرت نماذج عالمية أثبتت أن الدمج بين الرياضة والزراعة لم يعد فكرة خيالية، بل أصبح توجهًا حقيقيًا يحقق فوائد اقتصادية وبيئية وصحية في الوقت نفسه.

نماذج قائمة

يعد نادي Forest Green Rovers في بريطانيا أشهر هذه النماذج، حتى لُقب بأنه أحد أكثر أندية العالم صداقة للبيئة.. يستخدم النادي ملعبًا بعشب طبيعي خالٍ من المبيدات الكيميائية، ويزرع الخضروات والأعشاب في محيط منشآته لتقديم وجبات صحية للاعبين والجماهير، ليصبح الغذاء جزءًا من هوية النادي، وليس مجرد خدمة جانبية.

وفي الولايات المتحدة، استغل القائمون على ملعب Progressive Field بمدينة كليفلاند الأسطح والمساحات غير المستغلة لإنشاء مزارع حضرية تمد المطاعم بالخضروات الطازجة، بما يقلل الانبعاثات الكربونية الناتجة عن نقل الغذاء، ويعزز مفهوم الإنتاج المحلي.

▐من ملعب نادي Forest Green Rovers في بريطانيا

أما مشروع High Line في نيويورك، فقد أثبت أن الممرات الرياضية يمكن أن تتحول إلى مساحات خضراء نابضة بالحياة، بينما شهدت باريس، خلال الاستعداد للألعاب الأولمبية، توسعًا في دمج الحدائق الزراعية مع المنشآت الرياضية، دعمًا للتنوع البيولوجي وتحسين جودة الحياة داخل المدن.

كما خصصت العديد من ملاعب الجولف في أستراليا أجزاءً من مساحاتها لإنتاج الخضروات والفاكهة العضوية، بحيث يمارس الأعضاء رياضتهم، ويحصلون في الوقت نفسه على غذاء طازج عالي الجودة، في نموذج يعكس التحول العالمي نحو أسلوب حياة أكثر توازنًا.

ورغم اختلاف هذه التجارب، فإنها جميعًا تنطلق من فكرة واحدة: أن الرياضة والغذاء والبيئة لم تعد عوالم منفصلة، بل أصبحت عناصر متكاملة في بناء الإنسان.

على ساحل المتوسط

انطلاقًا من هذه التجارب العالمية، أطرح رؤية لإنشاء أول نموذج مصري يجمع بين الزراعة والرياضة على قطعة أرض زراعية صغيرة لا تتعدى 5 أفدنة على ساحل المتوسط.

الفكرة لا تقوم على إنشاء منشآت خرسانية أو تحويل الأرض الزراعية إلى مشروع ترفيهي، وإنما على الحفاظ على طبيعتها الزراعية، مع دمجها بمساحات رياضية مفتوحة، لتصبح نموذجًا جديدًا يربط الإنسان بالأرض، ويعيد تعريف العلاقة بين الرياضة والغذاء والطبيعة.

واستلهامًا لفلسفة المزارع الأمريكية المفتوحة (Farm Ranches)، التي تتجاوز مفهوم المزرعة التقليدية لتقدم أسلوب حياة متكاملاً، يقترح المشروع نموذجًا مصريًا جديدًا يجمع بين الزراعة التجديدية والرياضة في الهواء الطلق، ليقدم تجربة تعكس مفهوم الحياة الصحية والاستدامة، لا مجرد مكان لممارسة الرياضة أو إنتاج الغذاء.

أتخيل أن يكون هذا المشروع تحت مظلة نادي الزمالك، ليصبح أول نادٍ رياضي في مصر والمنطقة العربية يتبنى هذا المفهوم الجديد، ويقدم نموذجًا يجمع بين الرياضة والاستدامة والزراعة الحديثة في مكان واحد.

الفكرة ليست فرعًا؟

ولن يكون الهدف إنشاء فرع جديد للنادي بالمعنى التقليدي، بل تأسيس علامة مميزة تحمل هوية الزمالك، وتضيف بعدًا جديدًا لدور الأندية الرياضية في المجتمع، بحيث تصبح الرياضة بوابةً للصحة، ويصبح الغذاء الصحي جزءًا من التجربة، وتتحول الطبيعة إلى عنصر أساسي في هوية المكان.

▐صورة تخيلية بالذكاء الاصطناعي

إن وجود مثل هذا النموذج على ساحل البحر المتوسط يمكن أن يجعل من الزمالك رائدًا في تبني أحد أحدث الاتجاهات العالمية، ويمنح مصر مشروعًا غير مسبوق يجمع بين الرياضة والزراعة والاستدامة والسياحة البيئية في إطار واحد.

المستقبل يبدأ بفكرة

يتجه العالم اليوم إلى إعادة تصميم المدن والمجتمعات وفق مفاهيم جديدة تضع الإنسان والطبيعة في قلب عملية التنمية. ولم يعد النجاح يقاس بعدد المباني أو حجم المنشآت، بل بقدرة المشروعات على تحسين جودة الحياة وصناعة مستقبل أكثر صحة واستدامة.

وقد يكون حان الوقت لأن نقدم في مصر نموذجًا خاصًا، لا بنقل تجربة أجنبية، بل بتطوير فكرة تناسب بيئتها وثقافتها، لتصبح الزراعة والرياضة شريكين في صناعة أسلوب حياة جديد.

وربما يبدأ هذا المستقبل من مساحة صغيرة على شاطئ البحر المتوسط، ليصبح أول نموذج عربي حقيقي لـ Sports Farm، حيث لا يأتي الناس لمشاهدة الرياضة ولا لزيارة مزرعة فقط، بل ليعيشوا تجربة مختلفة، ويكتشفوا أن الحياة يمكن أن تكون أكثر صحة، وأكثر خضرة، وأكثر إنسانية.


د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر

– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات

– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء

– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.


مقالات سابقة للكاتب:

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©