لم يكن من المفترض أن يثير إصدار الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إرشادات جديدة بشأن تطعيمات الأطفال أي ضجة تُذكر.
فالمنظمة، التي تمثل نحو 67 ألف طبيب أطفال في الولايات المتحدة، اعتادت منذ عام 1935 أن تصدر توصياتها سنويًا، بالتنسيق مع السلطات الصحية الفيدرالية وبالاستناد إلى الأدلة العلمية المتراكمة.
لكن ما حدث هذه المرة كان مختلفًا تمامًا، ليس بسبب الإرشادات ذاتها، بل بسبب السياق السياسي والصحي الذي صدرت فيه.
ففي وقت تسعى فيه وزارة الصحة الأمريكية، بقيادة روبرت إف. كينيدي الابن، إلى تفكيك جدول تطعيمات الأطفال وإلغاء التوصيات الشاملة لعدد من اللقاحات الأساسية، وجدت الأكاديمية نفسها مضطرة لأن تفعل ما نادرًا ما تفعله المؤسسات العلمية: أن تقول “لا” بشكل علني وصريح.
لا لتسييس القضية!
قرار الأكاديمية لم يكن تفصيلاً إداريًا ولا مجرد خلاف تقني حول جدول زمني أو جرعات. كان رفضًا مباشرًا لتسييس قضية صحية تمس ملايين الأطفال، ومحاولة لإعادة النقاش إلى مكانه الطبيعي: العلم.
لهذا لم يكن مفاجئًا أن تحظى الإرشادات الجديدة بدعم فوري من 12 منظمة طبية كبرى، بينها الجمعية الطبية الأمريكية وأكاديمية أطباء الأسرة والكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد.
هذا الإجماع لم يأتِ من فراغ، بل من إدراك مشترك بأن ما يجري يتجاوز حدود الاختلاف المشروع ويدخل في نطاق العبث بالصحة العامة.
تجاوز مسارات العلم!
محاولة وزارة الصحة إعادة صياغة جدول اللقاحات، عبر إسقاط التوصيات العامة لستة أمراض من أصل 17، جرت خارج المسارات العلمية المعروفة، وتجاهلت عقودًا من البيانات والدراسات.
الإنفلونزا، على سبيل المثال، لا تزال من أبرز أسباب الدخول إلى المستشفيات والوفيات التي يمكن الوقاية منها باللقاحات. أرقام مراكز السيطرة على الأمراض نفسها تشير إلى مئات آلاف حالات الاستشفاء وعشرات آلاف الوفيات في موسم واحد.
أما فيروس الروتا، فقد نجح التطعيم في خفض إصابات الأطفال به بنحو 80%، بعدما كان سببًا رئيسيًا لدخول المستشفيات. والمكورات السحائية، وإن كانت أقل شيوعًا، إلا أن سرعتها وفتكها يجعلان الوقاية منها مسألة حياة أو موت.
لماذا قالوا: لا؟
حين تقول الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال “لا”، فهي لا تتحدى الحكومة لمجرد التحدي، بل تؤدي دورها الطبيعي في حماية المعيار الطبي.
هذا الموقف يمنح الأطباء غطاءً مهنيًا وقانونيًا، ويطمئنهم بأن الاستمرار في التوصية بالتطعيمات ليس خروجًا عن السائد، بل هو صلب الممارسة الطبية المسؤولة.
كما يقدّم للأهالي مرجعية واضحة في خضم الرسائل المتناقضة، ويعيد الثقة إلى سؤال بسيط لكنه مصيري: من نصدق عندما يتعلق الأمر بصحة أطفالنا؟
الأثر العملي لهذا الموقف بدأ يظهر سريعًا. أنظمة صحية كبرى وجامعات ومستشفيات مرموقة أعلنت التزامها بإرشادات الأكاديمية، كما فعلت إدارات صحة في عشرات الولايات، من بينها ولايات يقودها حكام جمهوريون.
الوقاية «أوفر» من العلاج!
حتى شركات التأمين الصحي أبدت استعدادها لمواصلة تغطية اللقاحات، ليس بدافع أخلاقي فقط، بل لأن الوقاية أوفر كلفة من علاج الأمراض ودخول المستشفيات.
صحيح أن هناك حدودًا لما تستطيع الجمعيات الطبية فعله. فإذا قررت الحكومة سحب الموافقات أو إضعاف حماية الشركات المصنعة للقاحات، فقد يصبح المشهد أكثر قتامة. لكن ما جرى حتى الآن يثبت أن المؤسسات العلمية، حين تتوحد، قادرة على إبطاء الضرر وحماية جوهر المنظومة الصحية.
قد يبدو قبل سنوات قليلة أن تراجع جهة بحجم مراكز السيطرة على الأمراض عن إرشاداتها الذهبية لتطعيم الأطفال أمر مستبعد أو حتى خيالي. لكنه حدث.
ولهذا بالضبط كانت “لا” التي قالها أطباء الأطفال ضرورية. لا دفاعًا عن مؤسسة، ولا عن جدول، بل عن فكرة أساسية: أن صحة الأطفال يجب أن تُدار بالعلم، لا بالأيديولوجيا، وأن اللقاحات مكانها عيادات الأطباء لا ساحات الصراع السياسي.
مترجم بتصرف عن مقال للكاتبة «ليانا إس. وين» بصحيفة واشنطن بوست الأمريكية