Connect with us

رأي

ذكاء اصطناعي «عادي» جدًا!

الذكاء الاصطناعي استقر أكثر في حياتنا اليومية، وتحوّل الخطاب من نبوءات مستقبلية إلى تعامل عملي معه كأداة عادية

في عام 2023، وبينما كان “شات جي بي تي” يحقق 100 مليون مستخدم نشط شهريًا، نشرت الباحثة في الذكاء الاصطناعي كاتيا غريس دراسة أربكت الصناعة: ما بين ثلث ونصف كبار الباحثين اعتقدوا أن هناك احتمالًا لا يقل عن 10% أن يقود الذكاء الاصطناعي إلى انقراض البشر أو نتائج كارثية مماثلة.

بعد عامين فقط، تغيّرت الأجواء جذريًا. لا يزال البعض يتحدث عن “انفجار” الذكاء الفائق، سواء في رؤى شبه يوتوبية أو شبه كابوسية، لكن الذكاء الاصطناعي استقر أكثر في حياتنا اليومية، وتحوّل الخطاب من نبوءات مستقبلية إلى تعامل عملي معه كأداة عادية. مشهد مألوف شهدناه سابقًا مع الانتشار النووي، وتغير المناخ، ومخاطر الأوبئة.

العام الماضي، أثار كتاب “الوعي بالموقف” للباحث الشاب ليوبولد أشينبرينر جدلًا واسعًا بتوقعه دخول البشرية عالمًا غريبًا من الذكاءات الفائقة.

لكن هذا العام جاء صوت آخر أكثر تواضعًا: كتاب “الذكاء الاصطناعي كتكنولوجيا عادية” لعالِمَي الحاسوب أرڤند نارايانان وسياش كابور، واللذَين دعوا للتعامل معه كأداة تحت السيطرة البشرية، لا ككائن مستقل يحتاج إلى تدخلات سياسية أو تقنيات خارقة للسيطرة عليه.

إنجازات كبيرة «مُكلِفة»

ما كان يُعتبر قبل عام خطابًا تقليليًا، أصبح اليوم حكمة سائدة. الفيلسوف في أكسفورد توبي أورد أطلق على الظاهرة “معضلة التوسع”: فبينما تحقق النماذج اللغوية إنجازات كبيرة، إلا أن تكلفتها تتزايد بشكل يصعب معه تبرير العائد.

حتى المتحمسون مثل تايلر كوين ودواكيش باتيل ركزوا على “عنق الزجاجة البشري” في إدماج الذكاء الاصطناعي بالأنظمة الاجتماعية. والرئيس التنفيذي لمايكروسوفت ساتيا ناديلا ذهب أبعد، معتبرًا أن الحديث عن الذكاء العام سابق لأوانه، وأن قياسه يجب أن يكون عبر نمو الناتج المحلي الإجمالي لا عبر أوهام الخيال العلمي.

الأكثر إثارة أن سام ألتمان، رمز نبوءات الذكاء الفائق، أعلن مؤخرًا أن مصطلح “AGI” لم يعد “مفيدًا جدًا”، وأن التقدم لن يكون قفزة مفاجئة بل مسارًا تدريجيًا.

حتى إطلاق “GPT-5″، الذي رُوّج له كـ”نجمة موت”، جاء مخيبًا للتوقعات، مما جعل ألتمان يعترف بوجود “فقاعة” ستكلف البعض خسائر ضخمة، لكنها ستترك أيضًا فوائد جانبية تشبه ما خلفته فقاعات الإنترنت والسكك الحديدية.

إلى جانب ذلك، تحوّل إريك شميت ليطالب بالتركيز على التطبيقات العملية بدل الهوس بالذكاء العام. إيلون ماسك نفسه، الذي نافس ألتمان، قدّم نموذج “Grok” كأداة لتحويل الصور القديمة إلى مقاطع قصيرة، لا أكثر. أما أشينبرينر الذي حذر من “الانقراض”، فقد ترك أبحاث المخاطر ليقود صندوق تحوط في الذكاء الاصطناعي حقق 47% أرباحًا في نصف عام واحد.

أقل من المتوقع

ومع ذلك، ما يجري ليس “طبيعيًا” بالكامل. أكثر من نصف الأمريكيين جربوا أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل، وثلثهم يستخدمها يوميًا، وهو معدل تبنٍ أسرع من الإنترنت بعد أزمة “الدوت كوم”.

الجامعات والمدارس أيضًا سلّمت نفسها لهذه الأدوات، حتى بات الاعتماد عليها ملموسًا من الطلبة إلى الأساتذة. وفي الاقتصاد، باتت شركات الذكاء الاصطناعي مسؤولة عن 60% من نمو سوق الأسهم، بينما تجاوزت استثمارات القطاع مستويات فقاعة الاتصالات، واقتربت من طفرة السكك الحديدية.

المشهد يذكّرنا بدورة الضجيج حول السيارات ذاتية القيادة: أعوام من التوقعات المفرطة، ثم خيبة، قبل أن تصبح اليوم واقعًا ملموسًا في مدن أميركية. المستقبل قد يكون في “الذكاء الاصطناعي المتجسد” أي الروبوتات، التي ظهرت بوضوح في حرب أوكرانيا عبر الطائرات المسيّرة.

عادي وليس «تافهًا»

“العادي” هنا لا يعني التافه، بل أشبه بالكهرباء أو الإنترنت أو الثورة الصناعية: تقنيات قلبت العالم لكنها صارت جزءًا من يومياتنا. الإنترنت نفسه وُصف في البداية بأنه خيبة، قبل أن يصبح قوة غيّرت كل شيء: من أنماط العمل والعلاقات، إلى الترفيه والسياسة والتجارة.

قد تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي قريبًا، لكن حتى في سيناريو “المستقبل العادي”، سيظل مفيدًا بشكل ضخم: في اكتشاف الأدوية والمواد، تحسين كفاءة الطاقة، دعم الفنانين، مراقبة الأوبئة، تطوير المضادات الحيوية، أو التحقق من مصداقية الأبحاث العلمية.

العام الماضي قد يطمئننا أننا لسنا على أعتاب “سكاي نت”، لكنه لا يمنحنا يقينًا بشأن ما سيأتي. ربما يكون الذكاء الاصطناعي “عاديًا”، لكنه بالتأكيد ليس عابرًا.

مترجم بتصرف عن مقال للكاتب «ديفيد والاس-ويلز» بصحيفة نيويورك تايمز

Continue Reading
اضغط لكتابة تعليق

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©