الأسبوع الماضي، أصدر القاضي الفيدرالي جيمس بواسبرج، حكمًا برفض الدعوى الرئيسية التي رفعتها الحكومة الأمريكية ضد شركة ميتا، معتبرًا أن الشركة لا تمتلك احتكارًا في سوق التواصل الاجتماعي الشخصي.
جاء ذلك رغم كثافة الأدلة التي تشير إلى العكس، إذ لا يمكن إنكار احتكار ميتا -التي تتجاوز قيمتها 1.5 تريليون دولار- لهذا السوق، وبالتالي يخالف هذا الحكم المنطق البديهي بكل تأكيد.
لكن التركيز على قصور حكم القاضي وحده يغفل ما هو أخطر: الرسالة التي يرسلها هذا القرار إلى البلاد، فالولايات المتحدة تعيش لحظة حرجة فيما يتعلق بسيادة القانون والمساءلة الديمقراطية، إذ أدّى تراكم الثروة والنفوذ غير الخاضعين للرقابة إلى زرع الشك في عدالة النظام.
فوق القانون
قرار بواسبرج يعزز الانطباع بأن أقوى الشركات وأكثرها ثراءً باتت فوق القانون، إذ أن أحد الأهداف الأساسية لقانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890 -الذي تتهم الحكومة شركة ميتا بخرقه- هو توضيح من يمتلك السلطة الحقيقية في البلاد.
وقد أوضح الرئيس ثيودور روزفلت عام 1901 أن “السؤال الجوهري” هو ما إذا كانت الحكومة قادرة على “السيطرة على التكتلات”، فقد أدرك أن قوة لا تخضع للمساءلة تمثل تهديدًا للجمهورية، وأن مشهد النخب التي تبدو بعيدة عن القانون يغذي الغضب الشعبي.
الحكم خاطئ من حيث المضمون، فالتهمة التي وجهتها الحكومة كانت أن ميتا -أو فيسبوك سابقًا- انتهكت القانون حين استحوذت على منافسيها إنستجرام وواتساب في عامي 2012 و2014.
القاضي بواسبرج أسقط القضية معتبرًا أن ميتا لا تملك قوة احتكارية الآن، بينما كان السؤال الصحيح هو ما إذا كانت تمتلكها حين قامت بعمليات الاستحواذ تلك.
تجاهل الأدلة
ولكي ينكر المرء أن ميتا تحتكر سوق التواصل الاجتماعي الشخصي اليوم، فعليه تجاهل أدلة واضحة ومباشرة. فقد قدمت الحكومة سجلات تكشف تحقيق الشركة أرباحًا استثنائية ومستدامة (87.1 مليار دولار كأرباح تشغيلية من إيرادات بلغت 164.5 مليار دولار عام 2024)، وهو مؤشر كلاسيكي على وجود احتكار.
كما أن الشركة زادت الإعلانات، وقلّصت حماية الخصوصية، وخفّضت جودة الخدمة دون أن تفقد قاعدة مستخدميها، وهو أمر يصعب على شركة تواجه منافسة حقيقية أن تفعله.
ورغم ذلك، اعتبر القاضي أن نمو سوق مقاطع الفيديو القصيرة مثل تيك توك ويوتيوب شورتس يعني أن ميتا لا تمتلك -ولم تمتلك- قوة احتكارية، وهذا استنتاج يحتاج إلى كثير من “الليّ القانوني” لإخراج الشركة من المأزق.
أمثلة من الماضي
المشكلة ليست فقط في منطق الحكم. فهل هناك حقًا من يشك في أن ميتا تمثل النوع من الشركات التي صُممت قوانين مكافحة الاحتكار لكبحها؟ في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، خضعت شركات مثل AT&T ومايكروسوفت للمحاسبة رغم اعتراضاتها.
وفي أربعينيات القرن الماضي، حين نظر القاضي الشهير ليرند هاند في قضية شركة “ألكوا” المحتكرة للألمنيوم، اعترف بوجود “تعقيدات قانونية” يمكن أن يتورط فيها القضاة، لكنه قال إن الاعتراف بأن الشركة ليست احتكارًا سيجعل الجمهور “يكتب عنا أننا حمقى”.
حكم بواسبرج في قضية ميتا يأتي بعد حكم القاضي الفيدرالي أميت ميهتا العام الماضي، الذي وجد أن جوجل تمارس احتكارًا غير قانوني، لكنه هذا العام لم يستطع فرض علاج رادع على الشركة.
قرارات كهذه تكرّس اختلال موازين القوة، إنها رسالة إلى الشركات بأن ملايين الدولارات التي تُصرف على المحامين ستعود بمليارات الأرباح. وهي تعمّق شعور شركات التكنولوجيا بأنها “سيادة” لا تخضع لسلطة البشر.
فضائح متكررة
ورغم فضائح ميتا المتكررة على مدار عقد كامل، لم تتمكن أي جهة رسمية من محاسبة الشركة بشكل فعّال، وهو فشل صارخ للنظام السياسي الأمريكي.
وللأسف، هذا الفشل جزء من اتجاه أوسع، فقد جرى تقويض كثير من القوانين التي حافظت على العدالة الاقتصادية في القرن العشرين: قوانين العمل، والرقابة المالية، وتنظيم الاتصالات، والضرائب وغيرها.
وقد ساعدت هذه القوانين لعقود طويلة في منع انهيار البلاد إلى مجتمع طبقي حاد، وتجنّب التوترات الاجتماعية العنيفة التي أطاحت بجمهوريات أخرى.
حين أطلق روزفلت حملته لمكافحة الاحتكار عام 1902، فعل ذلك لإنقاذ الديمقراطية. كانت البلاد تعيش لحظة شبيهة بما نشهده اليوم: اقتصاد مختل التوازن، أيديولوجيات متطرفة تتنافس على الجمهور، وحالة غضب تكاد تنفجر بين المزارعين الأميركيين. لكن الحكومات تمكنت آنذاك من احتواء السخط عبر ترويض شركات السكك الحديدية، وتنظيم البنوك، وتفكيك التكتلات الكبرى.
عكس الاتجاه
أما اليوم، فنحن نسير في الاتجاه المعاكس. الكونجرس لم يفعل الكثير لاستعادة التوازن الاقتصادي، والمحاكم تبدو منفصلة عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الأمريكيون. وليس غريبًا أن ينمو الشعور الشعبي بالسخط، وأن يتزايد الإقبال على أيديولوجيات تعد بقلب النظام بالكامل.
مترجم بتصرف عن مقال للكاتب «تيم وو» بصحيفة نيويورك تايمز