منذ إطلاق ChatGPT، بدا تعامل آبل مع الذكاء الاصطناعي مرتبكًا ومربكًا في آن واحد. كانت فكرتها الأولى هي إعادة طرح “سيري”، لكن هذه المرة مع نماذج لغوية كبيرة تعمل على الجهاز نفسه وبقدرات محدودة.
النتيجة لم تكن لافتة؛ فأجهزة iOS لم تصبح أسهل في التفاعل الصوتي مما كانت عليه قبل 5 سنوات، أو حتى قبل 10 سنوات، هذا منح انطباعًا واسعًا بأن آبل فوتت موجة الذكاء الاصطناعي، وهو شعور انعكس مؤقتًا على سعر السهم وأدى إلى مغادرة بعض التنفيذيين.
كانت هذه الرواية دائمًا غريبة بعض الشيء، فآبل، بوصفها شركة تحقق أرباحها أساسًا من بيع الأجهزة والخدمات المرتبطة بها، لم تكن منافسًا طبيعيًا لشركات مثل أوبن أي آي.
ربما كانت متأخرة، أو ربما كانت حذرة وبطيئة بعد أن بالغت سابقًا في الوعود بشأن “سيري” وحولت المنتج إلى مادة للسخرية، وربما، ببساطة لم يكن لدى الإدارة خطة واضحة من الأساس.
الإجابة: جوجل!
مهما يكن، نحن في عام 2026، وآبل تحت ضغط كبير لفعل شيء ما، وهكذا عادت إلى أقرب شركائها، وأحد أكبر منافسيها في الوقت نفسه، في عالم التكنولوجيا، ألا وهي جوجل.
دخلت آبل وجوجل في تعاون متعدد السنوات، تُبنى بموجبه الجيل القادم من “نماذج آبل الأساسية” على نماذج جيميناي وتقنيات الحوسبة السحابية من جوجل. وستُستخدم هذه النماذج في تشغيل مزايا مستقبلية ضمن منظومة Apple Intelligence بما في ذلك نسخة أكثر تخصيصًا من “سيري” يُفترض إطلاقها هذا العام.
قد يبدو الاتفاق جديدًا، لكنه في جوهره امتداد طبيعي لعلاقة قديمة، فقد عملت آبل وجوجل معًا لسنوات، حيث تلقت آبل مليارات الدولارات مقابل جعل جوجل محرك البحث الافتراضي على أجهزة iOS.
قرار صعب!
كان بإمكان آبل، نظريًا، بناء محرك بحث خاص بها، لكنها لم ترَ حاجة حقيقية لذلك، فالمستخدمون أرادوا جوجل، وجوجل كانت تدفع، وآبل كانت تجني أرباحها من أماكن أخرى.
وعندما خضعت هذه العلاقة لتدقيق صارم في قضايا مكافحة الاحتكار -ونجت منه- أوضحت آبل منطقها صراحة أمام المحكمة، فقد كتب إيدي كيو، نائب رئيس الشركة يقو، إن إنشاء محرك بحث “سيكلف مليارات الدولارات ويستغرق سنوات طويلة”، مضيفًا أن محرك بحث قابل للمنافسة يتطلب بناء منصة لبيع الإعلانات الموجهة، وهو ليس من صميم أعمال آبل.
استغرق الأمر أكثر من عقد حتى تصوغ آبل هذا التبرير علنًا، لكن يمكن تطبيق المنطق نفسه اليوم على قرارها الاستعانة بجوجل في الذكاء الاصطناعي: بناء البنية التحتية داخليًا سيكلف أموالًا طائلة، وسيستنزف موارد تحتاجها آبل في المجالات التي تحقق منها أرباحها الأساسية، فضلًا عن أن هذا النوع من الأعمال ليس ما تتقنه الشركة فعلًا.
من يريد «سيري»؟
المفارقة أن كثيرًا من النقاش يدور حول احتمال نجاح “سيري” في النهاية، وهو منتج لا يبدو أن أحدًا خارج آبل يهتم به كثيرًا.
تتحمل آبل جزءًا من هذا الالتباس لإصرارها على إبقاء العلامة حية منذ 2011، رغم أن معظم مزايا iOS الجديدة التي قد تستفيد من نماذج جوجل تندرج أصلًا تحت مظلة Apple Intelligence ، لا “سيري”.
الأهم هنا هو تقسيم العمل غير المعلن: آبل تريد الاستمرار في تصميم وبيع أجهزة فاخرة، وجوجل تريد استخدام هذه الأجهزة لدفع المستخدمين إلى خدماتها.
هذا الترتيب مألوف، لكنه في ظل الحجم الهائل لكلتا الشركتين اليوم قد يؤدي إلى تركّز كبير للنفوذ، يستفيد منه جوجل على وجه الخصوص، في وقت تواجه فيه تهديدات حقيقية لأعمال البحث من منافسين جدد مثل أوبن أي آي. من هذه الزاوية، يبدو الإعلان خبرًا سيئًا بوضوح لأوبن أي آي.
في الوقت نفسه، سيكون اعتماد آبل على جوجل اختبارًا عمليًا لكيفية رغبة المستخدمين في التعامل مع خدمات الذكاء الاصطناعي على هواتفهم. هل يريدون مزايا شبيهة بجيميناي مدمجة بعمق في أنظمة التشغيل؟ أم يفضلون استخدام هذه الخدمات بشكل منفصل عبر تطبيقات وواجهات خاصة بها؟
نتائج يصعب توقعها!
واجهت آبل أسئلة مشابهة من قبل، وكانت النتائج غير متوقعة.
في العقد الماضي، ومع صعود متجر التطبيقات والخدمات السحابية الكبرى، جرّبت الشركة دمج الكثير منها في النظام، بعض التجارب، مثل توسيع وضع جوجل كمحرك بحث افتراضي ليشمل البحث على مستوى النظام، نجحت واستمرت.
تجارب أخرى، كالنشر المباشر على تويتر أو فيسبوك من داخل iOS، لم تبدُ طبيعية وسرعان ما اختفت.
يمكن تخيل المسارين نفسيهما مع الذكاء الاصطناعي.. فجوجل تستخدم أندرويد منذ 2024 لاختبار شكل الذكاء الاصطناعي على الهاتف، والنتائج حتى الآن مثيرة للاهتمام لكنها محدودة الطموح: تحسينات على مستوى النظام، وتحكم أفضل بالجهاز، ووظائف لتحليل ما يظهر على الشاشة أو أمام الكاميرا.. ومع ذلك، حتى داخل بيئة أندرويد، تنتهي كثير من التفاعلات بالانتقال إلى تطبيق جيميناي نفسه، الذي يتحول تدريجيًا إلى منصة قوية مستقلة.
إذا كان المستخدمون يتوقون إلى نسخة من iOS تعمل أقرب إلى “شات بوت”، فقد تساعد هذه الشراكة آبل على تحقيق ذلك، أما إذا كانوا يفضلون التفاعل مباشرة مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT أو Gemini أو Claude بالطريقة التي صُممت لها، أو حتى تجربة أجهزة جديدة مبنية أساسًا على الذكاء الاصطناعي، فقد يكون الرابح الأكبر هو جوجل، التي ستقود مزيدًا من المستخدمين إلى الجيل التالي من منتجاتها، بينما تكتفي آبل بدفع الثمن مقابل هذا الامتياز.
مترجم بتصرف عن مقال للكاتب جون هيرمان في نيويوريك مجازين
مقالات سابقة للكاتب: