في السنوات الأخيرة، ظهر مصطلح «الزراعة التجددية» بوصفه أحد الحلول المطروحة لمواجهة تدهور التربة وتغير المناخ. ورغم حداثة المصطلح، فإن جوهر الفكرة ليس جديدًا بالكامل. فقد عرفت مجتمعات زراعية قديمة نظمًا اعتمدت على التوازن والتنوع، وكان من أبرزها نظام «الميلبا» في أمريكا الوسطى.
نشأ هذا النظام مع حضارات المايا والأزتيك، واستمر حتى اليوم في بعض مناطق المكسيك وأمريكا الوسطى، ليس كنموذج تاريخي، بل كممارسة زراعية ما زالت قادرة على الإنتاج والاستمرار.
زراعة تقوم على التعاون
يعتمد نظام الميلبا على زراعة الذرة والفاصوليا واليقطين معًا في نفس الحقل. ويُعرف هذا الترتيب باسم «الأخوات الثلاث»، حيث يؤدي كل محصول دورًا يخدم النظام ككل.
تنمو الذرة لتوفر دعامة للفاصوليا، بينما تقوم الفاصوليا بتثبيت النيتروجين في التربة، ما يحسن خصوبتها. أما اليقطين، فتغطي أوراقه سطح التربة، فتقلل نمو الأعشاب وتحافظ على الرطوبة، بهذه الطريقة، تعمل النباتات معًا بدل أن تتنافس.
تتعامل الميلبا مع التربة باعتبارها أساس الإنتاج، لا مجرد وسط للزراعة، فتنوع النباتات يساعد على الحفاظ على خصوبة التربة وبنيتها، ويقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيماوية أو التدخلات المكثفة.
هذا الفهم يتقاطع مع مبادئ الزراعة التجديدية، التي تركز على تحسين صحة التربة وزيادة المادة العضوية فيها، بدلًا من الاعتماد على المدخلات الخارجية.
التنوع كوسيلة لتقليل المخاطر
أحد أهم مزايا الميلبا هو التنوع، فوجود أكثر من محصول في الحقل يقلل من مخاطر الفشل الكامل في حال تعرض أحدها للجفاف أو الآفات، وهو مبدأ أساسي في الزراعة التجديدية الحديثة، التي تسعى إلى بناء نظم أكثر قدرة على التكيف والصمود مع التغيرات المناخية.
نظام الميلبا ليس فقط مجرد طريقة للزراعة، بل كان جزءًا من حياة المجتمع، فالأسرة تشارك في العمل الزراعي، والزراعة ترتبط بالمواسم والعادات، مما عزز الاستمرارية والالتزام بالحفاظ على الأرض.
في المقابل، تعاني النماذج الزراعية الحديثة من انفصال المزارع عن الأرض، وتحويل الزراعة إلى نشاط تقني بحت، وهو ما يضعف استدامتها على المدى الطويل.
إلى جانب «الأخوات الثلاث»، غالبًا ما تُزرع في الحقل محاصيل أخرى مثل الفلفل الحار والطماطم والأعشاب الطبية، هذه الإضافات تزيد من تنوع الغذاء، وتحسن من استقرار الحقل البيئي، كما تساعد على دعم المكافحة الحيوية من خلال جذب الحشرات المفيدة التي تسيطر على الآفات بشكل طبيعي.
درس للمستقبل
يعلمنا نظام الميلبا أن الحلول البسيطة والمتكاملة يمكن أن تكون أكثر قوة ودوامًا من الأساليب المعقدة والمكثفة. اليوم، ونحن نبحث عن زراعة مستدامة تواجه تغير المناخ وتحديات الأمن الغذائي، يمكننا الاستفادة من حكم الأجداد، وتطبيق مبادئهم بطرق حديثة تتوافق مع العلم والتكنولوجيا، دون فقدان روح التكامل مع الأرض.
الميزة الأخرى للميلبا هي بُعده الاجتماعي والثقافي، فالزراعة ليست نشاطًا فرديًا فقط، بل فرصة لتعزيز التعاون الأسري والمجتمعي، وترسيخ احترام الأرض. هذا البُعد يجعل النظام أكثر قدرة على الاستمرارية عبر الأجيال، ويعلم أن العلاقة بين الإنسان والطبيعة هي أساس أي استدامة حقيقية.
ليست دعوة للماضي
لا يعني الحديث عن الميلبا الدعوة إلى العودة للماضي، بل إلى الاستفادة من مبادئ أثبتت نجاحه، فالزراعة التجديدية لا تبتعد عن هذه النظم، بل تعيد صياغتها بلغة علمية تناسب الواقع الحالي.
وختامًا تُظهر تجربة الميلبا أن الزراعة المستدامة لا تعتمد فقط على التقنيات الحديثة، بل على فهم العلاقة بين النبات والتربة والإنسان، ومن حقول الأجداد، يمكن أن نستلهم أفكارًا تساعد في بناء مستقبل زراعي أكثر توازنًا وقدرة على الاستمرار.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.
مقالات سابقة للكاتب: