Connect with us

رأي

زراعة بلا نفط!

هذا التوجه لا يعني التخلي عن العلم، بل هو انتقال نحو فهم أعمق للتوازن البيولوجي؛ حيث تُستبدل المركبات النفطية الثقيلة بالكائنات الدقيقة والمخلفات العضوية المعاد تدويرها

تُمثل الزراعة بدون نفط تحولاً أساسيًا من النموذج الذي يعتمد على الأسمدة والمبيدات المشتقة من الوقود الأحفوري إلى نموذج يعتمد على العمليات الحيوية الطبيعية.

إنها محاولة لاستعادة استقلال المزارع عبر التحرر من التكاليف المرتفعة للمدخلات الكيماوية، والتركيز بدلاً من ذلك على إحياء الخصوبة الذاتية للتربة، بحيث يصبح النظام الزراعي قادرًا على تجديد نفسه باستخدام الموارد المحلية المتاحة دون الحاجة إلى سلاسل توريد معقدة أو طاقة خارجية مكلفة.

منظومة مستدامة

هذا التوجه لا يعني التخلي عن العلم، بل هو انتقال نحو فهم أعمق للتوازن البيولوجي؛ حيث تُستبدل المركبات النفطية الثقيلة بالكائنات الدقيقة والمخلفات العضوية المعاد تدويرها، والهدف النهائي هو بناء منظومة إنتاجية مستدامة تنتج غذاءً صحيًا بتكلفة مالية وبيئية منخفضة، مما يضمن تأمين الغذاء للأجيال القادمة بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة والأزمات العالمية.

والسؤال الآن؟..

كيف نبني نظامًا زراعيًا متحررًا من التبعية النفطية، وهو ما يُعرف علميًا بالزراعة منخفضة الطاقة الخارجية (Low External Input Agriculture).

يعتمد استبدال المشتقات النفطية في الزراعة على عدة مسارات تقنية متوازنة:

  • التوطين الحيوي لميكروبات التربة المتخصصة كبديل للكيماويات، على سبيل المثال يمكن الاستغناء عن اليوريا الكيماوية عبر تنشيط الكائنات الدقيقة المثبتة للنيتروجين الجوي، سواء عبر العلاقة التكافلية لبكتيريا الرايزوبيا مع البقوليات، أو من خلال بكتيريا الأزتوباكتر التي تعمل بشكل حر في التربة لتحويل النيتروجين إلى صورة صالحة لامتصاص النبات.
  • تفعيل دور الفطريات الجذرية (الميكوريزا) والبكتيريا المذيبة للفوسفات والبوتاسيوم، تلك الكائنات تعمل كـ”مصانع مجهرية” تذيب المعادن المرتبطة بحبيبات التربة، مما يلغي الحاجة للأسمدة المنجمية التي تتطلب طاقة هائلة في التعدين والنقل والتصنيع.
  • تنمية الطحالب مثل الاسبيرولينا والكلوريللا والنوستك والأنابينا والأعشاب البحرية في مزارع خاصة تعتمد على الشمس، ويتم منها استخلاص المكونات الطبيعية مثل المواد الفينولية والسيتوكينينات، وتعمل هذه المركبات كمحفزات ترفع كفاءة التمثيل الضوئي وتمنح النبات مناعة ذاتية ضد الإجهاد المناخي، مما يغني عن المنشطات الهرمونية المصنعة كيميائيا.
  • الزراعة بدون حرث، وهي تعتمد على استبدال الميكنة الثقيلة بـ”الحرث البيولوجي”، حيث تقوم حيوانات التربة والدببة المجهرية، لاسيما الديدان المحلية، بتهوية الأرض وتحسين نفاذيتها طبيعيًا، هذا التحول العلمي يمنع أكسدة المادة العضوية وفقدان الكربون المرتبط بالحرث التقليدي، كما يوفر الطاقة الميكانيكية والوقود المستهلك في الجرارات، محولاً التربة إلى مخزن مستقر للكربون بدلاً من كونها مصدراً لانبعاثه.
  • الانتقال من الميكنة الثقيلة إلى أنظمة الري بالطاقة الشمسية، وكذا استخدام الطاقة الشمسية في سلاسل القيمة كتجفيف الحاصلات الزراعية، وهي تقنية قديمة منذ مصر الفرعونية، وهناك نماذج ناجحة حالياً مثل إنتاج الطماطم المجففة بالأقصر في صعيد مصر.
  • استعادة البذور المحلية في الخضر كبديل للهجن المستوردة، حيث إن الأخيرة تستهلك كميات هائلة من الأسمدة والكيماويات والمياه، وكل هذا مستنزف للطاقة، فضلاً عن أنها عقيمة لا يمكن زراعتها مرة أخرى، كما تتحكم فيها الشركات الأجنبية العملاقة، مما يفقد السيادة على الغذاء (مصر تستورد 97% من تقاوي الخضر).

إن التحول نحو زراعة بلا نفط يعني تغيير فلسفة المزرعة من “مصنع” ينتظر مدخلات خارجية من أسمدة ومبيدات، إلى “نظام بيئي متكامل” يعتمد على دورات الطبيعة وتدوير مواردها ذاتياً. هذا التوجه هو جوهر “السيادة الحيوية” التي تمنح المزارع استقلالية كاملة، وتضمن إنتاج غذاء صحي وتربة خصبة بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة والأزمات العالمية.


د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر

– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات

– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء

– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.


مقالات سابقة للكاتب:

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©