عبر مئات السنين، طورت شعوب بولينيزيا القديمة، منظومة زراعية وبيئية متكاملة عُرفت لاحقا باسم “الزراعة البولينيزية”، وهي زراعة تقوم على نقل النباتات والتربة والكائنات الحية بين الجزر عبر الرحلات البحرية.
لم تكن الزراعة عند البولينيزيين فعل بقاءٍ مؤقت، بل كانت فنًّا لإعادة خلق الحياة، إذ نقلوا المنظومة البيئية كاملة إلى قلب الجزر البركانية القاحلة، فأعادوا تشكيلها لتنهض منها أراضٍ زراعية مستقرة وغنية بالعطاء.
تعبير “البولينيزية” (Polynesian) يعود إلى أصل يوناني يشير إلى “الجزر المتعددة”، وتاريخيًا وعلميًا، يصف هذا المصطلح ما يُعرف بالمثلث البولينيزي، المنطقة الشاسعة في المحيط الهادئ التي تأخذ شكل مثلث، تقع رؤوسه الثلاثة عند هاواي في الشمال، ونيوزيلندا (أوتياروا) في الجنوب الغربي، إضافة إلى جزيرة الفصح (رابا نوي) في الجنوب الشرقي.. وفي قلب هذا المثلث تقع جزر محورية مثل تاهيتي، وساموا، وتونغا.
العرق والثقافة.. ملاحو النجوم
البولينيزيون هم مجموعة من الشعوب التي تشترك في أصل جيني واحد، ولغات متقاربة، وتقاليد ثقافية متشابهة، يُصنَّفون كأعظم ملاحي التاريخ؛ حيث استوطنوا هذه الجزر المتباعدة مسترشدين بالنجوم والتيارات البحرية فقط، دون بوصلة أو أدوات حديثة.
لديهم فلسفة عميقة تجاه الطبيعة، مثل فلسفة “أينا ميو ميو نا” (الأرض الوفيرة)، حيث يعتبرون الإنسان جزءًا من الأرض لا سيدًا عليها، مما خلق نوعًا من التناغم البيئي المستدام.
الزراعة.. نقل «الوطن الحيوي»
عندما نتحدث عن “الزراعة البولينيزية”، فنحن لا نتحدث عن غرس بذور، بل عن نظام نقل بيئي كامل يشمل “نباتات الزوارق” والتربة الحية بما تحويه من ميكروبات وكائنات دقيقة وحيوانات التربة (وعلى رأسها الديدان والحشرات).
ونباتات الزوارق أو Canoe Plants هو مصطلح علمي يشير إلى النباتات التي لم تكن مستوطنة في هاواي، بل استجلبها الإنسان البولينزي معه، وضمّت القائمة حوالي 24 نباتًا أساسيًا، لكل منها وظيفة:
- للغذاء: القلقاس، والموز، وفاكهة الخبز (Ulu)
- للدواء: النوني (Noni) والزنجبيل
- للصناعة: الكابا (Kapa) لصنع الملابس، وجوز الهند للحبال والأواني
عبقرية السلال البيئية
أتقن هؤلاء البحارة نقل تلك النباتات من جزر جنوب الهادئ إلى هاواي بحرفية مذهلة. ولأنهم أدركوا أن الجزر البركانية حديثة التكوين تمتلك تربة “عقيمة بيولوجيًا” وفقيرة، ابتكروا “السلال البيئية”.
كانوا يحيطون الشتلات بكتل ضخمة من التربة الطينية الثقيلة للحفاظ على الرطوبة خلال الرحلات التي تستمر لأسابيع، وكانت هذه الكتل الطينية بمثابة “خزنة حيوية” نقلت الديدان والميكروبات النافعة من جزر المنشأ، مما سمح بـ”تلقيح” التربة البركانية الجديدة بالحياة وتحويلها إلى أراضٍ زراعية منتجة.
رحلات العودة والجسر البيولوجي
لم تكن الرحلات في اتجاه واحد، إذ تشير الأدلة التاريخية والجينية إلى أن هؤلاء البحارة وصلوا إلى “أمريكا الجنوبية” وعادوا منها حاملين “البطاطا الحلوة” إلى بولينيزيا وهاواي قبل وصول كولومبوس بمئات السنين، وهذا يثبت أن زوارقهم كانت تعمل كـ”جسر بيولوجي” عابر للقارات.
وكثيرًا ما يقع الخلط بين بولينيزيا وميكرونيزيا أو ميلانيزيا، لكن البولينيزيين ينفردون بكونهم “شعب البحر والزراعة المتكاملة”، وتُعدّ هاواي الذروة التي وصل إليها تطورهم الحضاري والزراعي.
الزراعة البولينيزية لم تكن مجرد “حرث للأرض”، بل كانت “هندسة نقل بيئي” متكاملة. لقد نقل الملاحون العظام مفهوم “الوطن” بكل مكوناته الحيوية ليزرعوه في قلب المحيط.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.
مقالات سابقة للكاتب: