Connect with us

رأي

السوبر بول.. ومحاولة تجميل صورة الذكاء الاصطناعي!

الناس لا يكرهون الذكاء الاصطناعي لأنهم لا يفهمونه، بل لأنهم يشعرون أنه يُفرض عليهم، وأن مستقبله يُرسم دونهم.

في كل عام، تتحول فواصل إعلانات السوبر بول إلى مسرح لأحلام التكنولوجيا الكبيرة. لكن هذا الموسم، لم تكن العملات المشفّرة ولا السيارات الكهربائية هي النجمة، بل الذكاء الاصطناعي نفسه، وهو يدخل المباراة وهو يعاني أصلًا من أزمة ثقة حقيقية لدى الجمهور الأمريكي.

والسوبر بول، لمن لا يعرف، هو المباراة النهائية لبطولة دوري كرة القدم الأمريكية (NFL)، ويُعد أكبر حدث رياضي وإعلامي سنوي في الولايات المتحدة.

المفارقة أن استخدام الأمريكيين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي يتزايد، في الوقت الذي تتراجع فيه ثقتهم بها.

الناس يستخدمون الأدوات، لكنهم لا يحبونها، ولا يطمئنون إلى نوايا الشركات التي تقف خلفها، ولا إلى المستقبل الذي تعدهم به. وهنا تحديدًا تأتي إعلانات السوبر بول: محاولة مكلفة لتليين هذا الرفض، أكثر منها احتفالًا بتقنية جديدة.

دعاية بالمليارات!

الشركات أنفقت أكثر من 1.7 مليار دولار على إعلانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال عام واحد. هذا الرقم وحده يكشف حجم القلق. فالإعلان هنا ليس ترويجًا، بل إدارة سمعة، ومحاولة استباق تشريعات وسياسات قد تقيد الصناعة. كأن الذكاء الاصطناعي، منذ ولادته الجماهيرية، وجد نفسه في موقع الدفاع لا الهجوم.

جوجل اختارت الطريق العاطفي. أم وطفل، منزل جديد، أحلام بسيطة، و”جيميني” الذي لا يقدّم حلولًا تقنية باردة، بل يساعد على التخيل والشعور بالأمان.

الرسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس وحشًا، بل رفيقًا دافئًا في تفاصيل الحياة اليومية. هذا النوع من الإعلانات ذكي، لأنه لا يسأل: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ بل يهمس: ماذا يبقى إنسانيًا في عالم تزداد فيه الآلات حضورًا؟

آلة.. ولكن عاطفية!

على النقيض، ذهبت “أوبن أي آي” إلى تسويق “شات جي بي تي” بوصفه مساعدًا عاطفيًا، وربما رومانسيًا. شاب يستعين بالذكاء الاصطناعي ليبدو جذابًا في موعد غرامي.

هنا تبدأ الإشكالية، فبدل أن يخفف الإعلان القلق، يعمّقه لدى البعض: هل نريد فعلًا آلة تتدخل في أكثر لحظاتنا حميمية؟ وهل هذا توسيع لقدرات الإنسان أم اختزال له؟

ثم جاءت “أنثروبيك” لتصب الزيت على النار، بإعلان يسخر صراحة من “شات جي بي تي” ومن إدخال الإعلانات إلى روبوتات الدردشة. الإعلان ذكي، ساخر، لكنه يكشف أيضًا أن معركة الذكاء الاصطناعي لم تعد فقط مع الجمهور، بل بين الشركات نفسها. حرب على الثقة، عنوانها: “نحن ألطف، نحن أقل جشعًا، نحن لا نستغلك”.

خطاب مباشر!

أما “ميتا”، فاختارت خطابًا سياسيًا مباشرًا: الذكاء الاصطناعي يخلق وظائف. عمال، بلدات صغيرة، مراكز بيانات. إعلان يبدو موجّهًا للمشرعين بقدر ما هو موجّه للمشاهدين.

المشكلة أن هذا الخطاب يصطدم بتجربة أمريكية طويلة مع وعود التكنولوجيا التي لم تتحقق دائمًا، ومع مجتمعات سئمت من منشآت ضخمة تستهلك الكهرباء وتغيّر نمط الحياة دون عائد واضح.

الخلاصة أن هذه الإعلانات، مهما بلغت براعتها، تصطدم بحقيقة بسيطة: الناس لا يكرهون الذكاء الاصطناعي لأنهم لا يفهمونه، بل لأنهم يشعرون أنه يُفرض عليهم، وأن مستقبله يُرسم دونهم. الإعلان لا يستطيع وحده حل هذا التوتر، ولا شراء الثقة بالميزانيات الضخمة.

قد تنجح بعض هذه الحملات في تخفيف حدّة القلق، أو في جعل الذكاء الاصطناعي أقل إخافة على الشاشة. لكنها لن تغيّر الشعور العميق بأن هذه التقنية، قبل أن تكون أداة، هي مشروع قوة ونفوذ. والسؤال الحقيقي ليس: هل سنحب الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سيثبت الذكاء الاصطناعي أنه يستحق هذا الحب؟

مترجم بتصرف عن مقال للكاتبة شيرا أوفيد بصحيفة واشنطن بوست

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©