لم يكن الأنباط مجرد قبائل بدوية عبرت الصحراء، بل كانوا مشروع حضارة كامل بُني على فهم عميق للماء، هاجروا من شبه الجزيرة العربية واستقروا في منطقة إدوم جنوب الأردن تقريبًا في القرن السادس قبل الميلاد، ثم تحولوا تدريجيًا من حياة الترحال إلى الاستقرار، ليؤسسوا واحدة من أرقى الممالك في العالم القديم.
اتخذوا من البتراء عاصمة لهم، المدينة الوردية المنحوتة في الصخر، والتي لم تكن مجرد موقع أثري، بل مركزًا حضاريًا متكاملًا، وامتدت مملكتهم لتشمل:
الحِجر (مدائن صالح) في المملكة العربية السعودية، كمركز تجاري جنوبي.
بصرى الشام في سوريا.
النقب في فلسطين.
امتلك الأنباط حضارة مذهلة تميزت بالذكاء الهندسي والقدرة على التكيف مع البيئة القاسية، نحتوا مدنًا كاملة داخل الجبال الصخرية، مثل “الخزنة” و”الدير” في البتراء، ولم تكن هذه واجهات جمالية فقط، بل أنظمة معمارية ووظيفية متكاملة تخدم المجتمع اقتصاديًا ودينيًا وإداريًا.
لكل قطرة حساب
لم يكن تفوق النبطيين في العمارة فقط، بل في الماء، وكان هذا سر تفوقهم الحقيقي في السيطرة على السيول وترويضها، واعتبار أن لكل قطرة من المياه حسابًا.
أنشأ النبطيون مدرجات حجرية وترابية وسدودًا صغيرة موزعة بعناية، لم يكن هدفهم تخزين الماء فقط، بل كبح سرعته وتقليل طاقته الحركية، وبالتالي حماية مدينتهم من الفيضانات المفاجئة، والحفاظ على بنيتها التحتية.
ثم شقّوا القنوات والأنفاق لتحويل مسارات المياه الطبيعية إلى نقاط تجميع محددة، حتى الواجهات الصخرية في البتراء استُخدمت كجزء من النظام، حيث صُممت قنوات فوق الصخور الرملية المنحوتة لتجميع المياه بكفاءة.
وعلى السفوح الجبلية الشديدة الانحدار، قاموا بتجدير الأرض في نموذج مبكر لما نعرفه اليوم باسم الزراعة الكنتورية (Contour Farming)، مما منع انجراف التربة وحافظ على خصوبتها.
لم تكن العملية عشوائية، بل مرت بمراحل واضحة: تجميع المياه من السيول والأمطار، تنقيتها طبيعيًا عبر أحواض الترسيب، توزيعها على مناطق السكن والزراعة، تخزين الفائض في خزانات منحوتة داخل الصخور لمواجهة سنوات الجفاف، بهذا النظام المرحلي، ضمن الأنباط أمنًا مائيًا طويل الأمد، في بيئة قاسية.
مورد مستدام
فضلًا عن هذا، ابتكر الأنباط نظامًا آخر فريدًا عُرف باسم “تليلات العنب”: وهو عبارة عن رجوم حجرية مصفوفة على سفوح التلال بنمط متداخل مع القنوات المائية، كان الجزء الأكبر من السفوح في الأراضي النبطية مغطى بهذه القنوات الحجرية، كما وضعت تليلات العنب في المرتفعات الجبلية لتلتقط المياه الزائدة وتوجهها إلى القنوات ثم إلى الأحواض والخزانات، وبهذه الطريقة لم تضِع مياه الأمطار القليلة، بل تحولت إلى مورد مستدام.
بفضل هذه الأنظمة المتكاملة، لم تعانِ المملكة النبطية من نقص المياه، وتحولت البتراء إلى محطة لوجستية كبرى تزوّد القوافل التجارية والمسافرين بالماء، وازدهر اقتصادهم، وتعزز نفوذهم السياسي في المنطقة، والمدهش أن كثيرًا من منشآتهم المائية لا تزال تعمل حتى اليوم، مما يدل على دقة تصميمهم وجودة تنفيذهم.
بالنظر إلى البعد البيئي لأنظمة الأنباط المائية، فإن تلك الأنظمة لم تخزن الماء فقط، بل خلقت بيئات رطبة مستقرة تحت المدرجات والسفوح، وقد وفرت هذه “الميكروبيئات” ظروفًا ملائمة للكائنات الدقيقة وديدان الأرض، وقدمت نموذجًا متفردًا في خصوبة التربة داخل الصحراء، وبمعنى أدق: الأنباط لم يديروا الماء فحسب، بل أعادوا تشكيل النظام البيئي حوله.
في النهاية، الأنظمة المائية النبطية درس تاريخي يؤكد على أن الندرة لا تعني العجز، بل قد تكون بداية للعبقرية.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.