Connect with us

رأي

عندما أصبحت الدنمارك معيارًا لأمريكا!

هل يمكن حقًا نقل سياسة صحية من مجتمع إلى آخر دون نقل الظروف التي جعلتها ناجحة أصلًا؟

لا يبدو أن الجدل حول اللقاحات في الولايات المتحدة يقترب من نهايته، فعلى العكس، تعيد إدارة الرئيس دونالد ترامب فتح واحدة من أكثر القضايا الصحية حساسية وإثارة للانقسام في المجتمع الأمريكي، عبر أمر تنفيذي جديد يؤكد التوجه نحو إعادة صياغة جدول لقاحات الأطفال الأمريكي على غرار النموذج الدنماركي.

في الظاهر، قد تبدو الفكرة بسيطة: الاستفادة من تجربة دولة متقدمة أخرى، لكن خلف هذا الطرح تكمن أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بالعلم والسياسة وطبيعة المجتمعات المختلفة، فضلًا عن حدود التدخل السياسي في القرارات الصحية التي اعتادت الولايات المتحدة أن تتركها للمؤسسات العلمية المتخصصة.

اعتراض حاد.. على غير العادة!

الاعتراضات التي صدرت عن الجمعية الطبية الأمريكية لم تكن مجرد اختلاف في الرأي، بل جاءت بصيغة حادة وغير معتادة، فالجمعية أكدت أنه لا توجد أدلة علمية موثوقة تبرر التخلي عن جدول اللقاحات الأمريكي الحالي، الذي بُني، بحسب رأيها، على عقود طويلة من الأبحاث والدراسات والبيانات الواقعية.

هنا يكمن جوهر الخلاف، فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد اللقاحات التي يحصل عليها الأطفال، بل بالمنهج الذي تُبنى عليه السياسات الصحية، فالعلماء والأطباء يرون أن توصيات اللقاحات يجب أن تستند إلى طبيعة الأمراض المنتشرة داخل كل دولة وإلى خصائصها السكانية والوبائية، وليس إلى مجرد تقليد نموذج مطبق في دولة أخرى مهما كانت متقدمة.

أكثر من مجرد قرار!

الخطة المطروحة ستخفض عدد اللقاحات الموصى بها للأطفال في الولايات المتحدة من 17 إلى 11 لقاحًا، وتشمل التغييرات التراجع عن توصيات التطعيم ضد أمراض مهمة مثل كوفيد-19 والإنفلونزا والتهاب الكبد الوبائي بنوعيه، إضافة إلى أمراض أخرى.

بالنسبة لمؤيدي الخطة، فإن هذا التوجه يمثل تصحيحًا لما يعتبرونه توسعًا مفرطًا في برامج التطعيم الأمريكية، أما المعارضون فيرون فيه مخاطرة غير محسوبة قد تؤدي إلى انخفاض معدلات التطعيم وعودة أمراض نجحت برامج الصحة العامة في الحد منها على مدار عقود.

ما يزيد من حدة الجدل أن الدراسة التي استندت إليها الإدارة الأمريكية لم يُعدّها خبراء معروفون في مجال سياسات اللقاحات، بل شخصيات ارتبطت خلال السنوات الأخيرة بانتقادات متكررة للسياسات التقليدية الخاصة بالتطعيم.

لذلك يرى المنتقدون أن المسألة لا تتعلق فقط بنتائج الدراسة، بل أيضًا بخلفيات القائمين عليها ومدى تخصصهم في المجال الذي يضعون له التوصيات.

اللقاحات قضية سياسية!

لفهم هذا الجدل، يجب العودة إلى السنوات الأخيرة، حين تحولت اللقاحات في الولايات المتحدة من قضية طبية إلى ملف سياسي وثقافي بامتياز.

فخلال جائحة كورونا، انقسم الأمريكيون بشدة حول الإغلاقات وارتداء الكمامات ولقاحات كوفيد-19، ومع مرور الوقت، ظهرت حركة سياسية واجتماعية أوسع تشكك في دور المؤسسات الصحية الفيدرالية وفي صلاحيات الحكومة لفرض توصيات صحية على المواطنين.

في هذا المناخ برز اسم روبرت إف. كينيدي الابن، الذي بنى جزءًا كبيرًا من حضوره السياسي على انتقاد سياسات اللقاحات السائدة والدعوة إلى مراجعتها، وعندما تولى منصبه في وزارة الصحة، انتقل هذا الجدل من ساحات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى قلب مؤسسات صنع القرار في واشنطن.

من هنا، لا ينظر كثير من الأمريكيين إلى التعديلات المقترحة باعتبارها مجرد تحديث فني لجدول التطعيم، بل باعتبارها حلقة جديدة في معركة أوسع تدور حول حدود السلطة الحكومية ودور الخبراء والعلاقة بين السياسة والعلم.

الدنمارك نفسها لا تفهم المقارنة!

لعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القضية أن التشكيك في المقارنة مع الدنمارك لم يأتِ من الولايات المتحدة وحدها، بل من داخل الدنمارك نفسها. فقد عبّر باحثون دنماركيون عن استغرابهم من محاولة تقديم بلادهم كنموذج مباشر يمكن للولايات المتحدة أن تنسخه ببساطة.

فالبلدان مختلفان بصورة جوهرية، الدنمارك دولة صغيرة نسبيًا، ذات نظام صحي موحد، وعدد سكان محدود، وتركيبة اجتماعية مختلفة، أما الولايات المتحدة فهي دولة قارية تضم مئات الملايين من السكان، وتتمتع بدرجات كبيرة من التنوع العرقي والاجتماعي والاقتصادي، فضلًا عن اختلافات واسعة بين الولايات في معدلات الأمراض والوصول إلى الرعاية الصحية.

من هنا يطرح المنتقدون سؤالًا منطقيًا: هل يمكن حقًا نقل سياسة صحية من مجتمع إلى آخر دون نقل الظروف التي جعلتها ناجحة أصلًا؟

في الواقع ذهب بعض الباحثين الدنماركيين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن مجرد مقارنة البلدين على هذا النحو تتجاهل الفوارق العميقة بينهما، وتجعل الاستنتاجات المستخلصة من التجربة الدنماركية أقل قابلية للتطبيق في السياق الأمريكي.

هل الدنمارك نموذج مثالي؟

الأمر لا يتوقف عند حدود المقارنة بين بلدين، فحتى إذا افترضنا أن الدنمارك تحقق نتائج جيدة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تمثل النموذج الأمثل بين جميع الدول المتقدمة.

فبيانات المقارنات الدولية تشير إلى أن الولايات المتحدة لا توصي بعدد أكبر بكثير من اللقاحات مقارنة بالدول الغنية الأخرى، وأنها أقرب إلى دول عديدة حول العالم مما يوحي به الخطاب السياسي الدائر حاليًا.

في المقابل، تُعد الدنمارك حالة استثنائية نسبيًا من حيث انخفاض عدد اللقاحات الموصى بها مقارنة بمعظم الدول المتقدمة الأخرى. ولذلك يرى منتقدو القرار أن اختيارها كنموذج مرجعي يطرح تساؤلات حول معايير الاختيار نفسها، وليس فقط حول نتائج السياسة المقترحة.

كما أن عبارة “أفضل الممارسات الدولية” تبدو أكثر تعقيدًا مما قد توحي به في الخطابات السياسية، فالعالم لا يعمل وفق نموذج واحد للصحة العامة، بل وفق مجموعة واسعة من السياسات التي تتكيف مع ظروف كل دولة واحتياجاتها الخاصة.

الثقة قبل اللقاحات!

في النهاية، تكشف هذه المعركة المتجددة حول اللقاحات عن صراع أعمق من مجرد خلاف حول عدد الحقن التي ينبغي أن يحصل عليها الأطفال، إنها مواجهة بين رؤيتين مختلفتين لدور الحكومة والعلم والخبرة المتخصصة في صناعة القرار العام.

وبينما ترى إدارة ترامب أن من حقها إعادة النظر في السياسات القائمة والبحث عن نماذج بديلة، يعتقد منتقدوها أن التغيير في قضايا الصحة العامة يجب أن يمر عبر المؤسسات العلمية المتخصصة وأن يستند إلى أدلة راسخة لا إلى توجهات سياسية أو أيديولوجية.

وربما تكون القضية الأهم هنا هي الثقة، فنجاح أي برنامج للتطعيم لا يعتمد فقط على فعالية اللقاحات نفسها، بل أيضًا على ثقة المواطنين في الجهات التي توصي بها. وكلما تحول النقاش العلمي إلى معركة سياسية، ازدادت صعوبة الحفاظ على تلك الثقة.

ومع استمرار المواجهات القضائية والسياسية حول هذه القضية، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على ثقة الجمهور في برامج التطعيم وسط هذا الجدل المتصاعد، أم أن الصراع السياسي سيترك آثارًا طويلة المدى على واحدة من أهم أدوات الصحة العامة في العصر الحديث؟

مترجم بتصرف عن مقال للكاتبة بيث مول في موقع ARS Technica


مقالات سابقة للكاتبة:

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©