Connect with us

رأي

الذهب الأحمر والفستق الإيراني في مرمى نيران الحرب

إيران موطن أصلي لنباتات ذات قيمة اقتصادية عالية، على رأسها الزعفران والفستق والورد المحمدي والصمغ العربي

إيران واحدة من أغنى الدول في المنطقة من حيث التنوع النباتي، إذ تضم أكثر من 8000 نوع من النباتات الوعائية، وهو رقم يتجاوز بكثير عدد الأنواع الموجودة في بعض القارات مثل قارة أوروبا بأكملها تقريبا.

ما يميز هذا التنوع هو وجود نسبة عالية جداً من الأنواع المتوطنة (حوالي 2300 نوع) التي لا تنمو طبيعيا في أي مكان آخر في العالم.

تُقسم إيران إلى 13 إقليما زراعيا-مناخيا (Agro-ecological zones)، وهو التقسيم المعتمد في الدراسات الأكاديمية ووزارة الزراعة الإيرانية، وذلك بناءً على معايير دقيقة تشمل: معدل الأمطار، ودرجات الحرارة، والارتفاع عن سطح البحر، ونوع التربة.

هذا التنوع ليس مجرد أرقام، بل هو استراتيجية للأمن الغذائي الإيراني:

  • تعدد المواسم: عندما يكون الشتاء قارساً في الشمال (أذربيجان*)، تبدأ عمليات الحصاد في الجنوب (خوزستان)، مما يضمن توفر المنتجات الطازجة طوال العام.

*في إيران، توجد 3 محافظات رئيسية تقع في الشمال الغربي هي: أذربيجان الشرقية، وأذربيجان الغربية، وأردبيل. سكانها مواطنون إيرانيون من القومية الآذرية، ومدنها الكبرى هي تبريز وأرومية، وهي ليست “جمهورية أذربيجان” (وعاصمتها باكو)، إذ إنها دولة مستقلة تقع شمال إيران.

  • إدارة المياه: لكل إقليم نظام ري خاص، من القنوات في يزد إلى الري بالرش في المزارع الحديثة في خوزستان.
  • التخصص النوعي: يسمح لإيران بتصدر مراكز عالمية في محاصيل لا تنمو إلا في ظروف محددة جداً، مثل الزعفران في تربة خراسان الكلسية.

ومن أهم الأقاليم النباتية الإيرانية:

  • غابات هيركانيان (الشمال): تُعرف بغابات “بحر قزوين”، وهي من أقدم الغابات في العالم (تعود إلى العصر الجيولوجي الثالث). ومن أهم نباتاتها: شجر الحديد، والزان الشرقي، والبلوط الكستنائي، وشجر الشمشاد.
  • إقليم الجبال (زاجروس والبرز): تغطي سلاسل الجبال مساحات شاسعة، وتتميز بنباتات برية طبية وعطرية. ومن نباتاتها: غابات البلوط، والفستق البري، واللوز والكثري البرية، والأزهار الجبلية مثل زهرة سوسن تشيلتشراغ النادرة والتوليب المقلوب.
  • إقليم السهول والصحاري (المركز والشرق): رغم الجفاف، تطورت هنا نباتات تمتلك قدرة مذهلة على تحمل الملوحة ونقص المياه، مثل نبات القتاد، وتُعد إيران مركز تنوع هذا الجنس عالمياً، ويُستخرج منه صمغ “الكثيراء”. كما يوجد نبات الشنان، وهو شجيرات تعمل كمصدات للرياح وتثبيت الرمال، فضلاً عن بعض النباتات الملحية الأخرى.

الزعفران والفستق

من جهة أخرى، تُعد إيران الموطن الأصلي أو المركز الرئيسي للعديد من النباتات ذات القيمة الاقتصادية العالية، مثل الزعفران والفستق والورد المحمدي والصمغ العربي، وأهمها اقتصادياً الزعفران والفستق.

يُنتج الزعفران في خراسان، وتتصدر إيران إنتاجه العالمي (أكثر من 90%). ويُنتج الفستق في كرمان ويزد. أما الورد المحمدي فيُستخرج منه ماء الورد والزيوت العطرية، خاصة في مدينة كاشان. كما تُجمع الصموغ العربية والراتنجات من نباتات برية مثل “باريجة” و”أنغدان”.

تُعتبر إيران المصدر العالمي الأول للزعفران، إذ تسيطر على أكثر من 90% من الإنتاج العالمي.

ويُقدَّر إنتاجها السنوي من الزعفران بنحو 330 إلى 350 طناً. وقد بلغت قيمة سوق الزعفران العالمي في عام 2025 نحو 482 مليون دولار، ومن المتوقع أن تتجاوز 500 مليون دولار في عام 2026.

أثر الحرب

وفي ظل التوترات العسكرية في المنطقة، خاصة في الممرات المائية، ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الزعفران عالمياً.

كما تؤدي النزاعات أحياناً إلى نقص في الوقود والعمالة وقطع سلاسل الإمداد بالأسمدة، وتعمل العقوبات على زيادة تهريب الزعفران الإيراني إلى دول مثل أفغانستان أو الإمارات لإعادة تعبئته وتصديره تحت مسميات أخرى لتجنب القيود.

أما الفستق، أو الذهب الأخضر، فتعاني مزارعه الإيرانية من الجفاف ونقص الكهرباء (الذي تزداد حدته أثناء الحروب بسبب استهداف البنية التحتية للطاقة)، مما أدى إلى انخفاض متوقع في المحصول بنسبة 11% في الدورة الحالية.

منافسة على الصدارة

وثمة منافسة كبيرة بين إيران والولايات المتحدة (كاليفورنيا) على صدارة الإنتاج العالمي. ورغم أن الفستق الإيراني يتفوق غالباً في “النكهة” ومقاومة درجات الحرارة، فإن الولايات المتحدة تستغل فترات عدم الاستقرار في إيران لسحب حصص سوقية أكبر في الصين وأوروبا، وهما أكبر مستهلكين للفستق الإيراني.

ومن المتوقع أن يبلغ الإنتاج العالمي في موسم 2025/2026 نحو 1.1 مليون طن. وكانت حصة إيران لعام 2025 نحو 225 ألف طن، بقيمة صادرات تجاوزت 1.7 مليار دولار في عام 2024.

من جهة أخرى، تشير تقارير مطلع عام 2026 إلى أن التصعيد العسكري أضاف ضغوطاً على المصدرين الذين يعانون أصلاً من مشكلات في الإنترنت والاتصالات مع المشترين الدوليين.


د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر

– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات

– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء

– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.


مقالات سابقة للكاتب:

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©