عندما تفكر الدول في مستقبل الزراعة، يجب ألا يكون السؤال فقط: كم مصنعًا للأسمدة والمبيدات نحتاج؟ بل كيف يمكن إعادة الحياة للنظام الزراعي ككل وللتربة بشكل خاص؟
في العام 1946، ومنذ حوالي ثمانين عامًا، وفي رؤية مبكرة للغاية، حرر الأب الروحي للزراعة العضوية الحديثة السير “ألبرت هوارد” كتابًا مهمًا، “الحرب في التربة”، وفيه لم يتحدث عن حرب بالمعنى العسكري، بل عن صراع بين مسارين في الزراعة.
مسار يعتبر التربة مجرد وسط لإنتاج النبات، وعندما تظهر المشكلة نتدخل بمزيد من المدخلات: أسمدة، ومبيدات، ومحفزات نمو، ومسار آخر يعتبر التربة كائنًا حيًا، له نظام معقد من الكائنات الدقيقة والفطريات وديدان الأرض والعلاقات الحيوية التي تحافظ على الخصوبة والتوازن.
في مراحل كثيرة لعبت المبيدات دورًا مهمًا في حماية المحاصيل وزيادة الإنتاج، لكن الاعتماد المستمر عليها خلق دائرة مغلقة، يحدث انهيار تدريجي للتربة، وإضعاف النباتات وزيادة حساسيتها للأمراض والآفات، والاحتياج إلى تدخلات أكثر بالمبيدات، ومع كل تدخل جديد قد نفقد جزءًا من التنوع الحيوي الذي يحافظ على توازن النظام.
تصبح الزراعة في هذه الحالة أشبه بمحاولة علاج نظام مريض بإضافة المزيد من الأدوية، بدلًا من إعادة بناء صحته الأساسية، وهنا يظهر مفهوم مختلف تمامًا: رأس المال البيولوجي للتربة، فالتربة الغنية بالكائنات الحية ليست مجرد مخزن للعناصر الغذائية، بل مصنع طبيعي يعمل على مدار الساعة، يحلل المخلفات، ويحرر العناصر، ويبني بنية التربة، ويحسن قدرة النبات على المقاومة.
عندما تفكر الدول في مستقبل الزراعة، يجب ألا يكون السؤال فقط: كم مصنعًا للأسمدة والمبيدات نحتاج؟ بل كيف يمكن إعادة الحياة للنظام الزراعي ككل وللتربة بشكل خاص؟
الفكرة التي أتحدث عنها ليست نظرية مطلقًا، فقد ظهرت نماذج عملية أثبتت قدرة هذه الرؤية على الصمود في مواجهة أزمات عاصفة كادت تصل ببلدان إلى حد المجاعة والانهيار، ولدينا نموذج “كوبا” في التسعينيات من القرن الماضي.
الدرس الكوبي: بناء القدرة الذاتية
خلال فترة “الفترة الخاصة” في كوبا، عندما فقدت البلاد جزءًا كبيرًا من المدخلات الزراعية المستوردة، لم يكن الحل هو انتظار عودة النموذج القديم، بل إعادة بناء الزراعة من الداخل.
اعتمدت كوبا على تطوير شبكة من التعاونيات النشطة، والتي قامت، بالتعاون مع العلماء والباحثين في الجامعات والمراكز البحثية المختلفة، بإنشاء مراكز للزراعة الحيوية تقوم بتربية وإنتاج الفيرمي كمبوست، وعناصر المكافحة الحيوية، وتجميع البذور المحلية الأصيلة من المزارعين، وإنشاء بنوك لها، وانتخاب ما يواجه الظروف القاسية من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والملوحة، ثم إعادة إكثارها.
كانت الفكرة الأساسية في كوبا أن الأمن الغذائي لا يعتمد فقط على امتلاك مصانع تنتج المواد، بل على امتلاك القدرة على إنتاج الخصوبة والحماية داخل النظام نفسه.
تحولت المخلفات إلى موارد، وأصبحت ديدان الأرض والحشرات النافعة والكائنات الدقيقة جزءًا من البنية التحتية الزراعية.
معركة تحت الأرض!
ربما يكون أعظم درس تم فهمه من كتاب “الحرب في التربة” أن معركة الزراعة الحقيقية لا تحدث فوق سطح الأرض فقط، بل تحتها، فالنبات الذي نراه هو نتيجة لما يحدث في عالم خفي من الجذور والميكروبات والكائنات الحية.
بناء التربة ليس عملية إضافة فقط، بل عملية إحياء، المادة العضوية والميكروبات والحشرات والكربون ليست الهدف النهائي، هم رأس مال بيولوجي متجدد داخل النظام الزراعي يجب الحفاظ عليه وصيانته بشكل مستمر.
في النهاية، الانتصار في حرب التربة لن يكون بإنتاج مبيد أقوى، بل ببناء نظام يجعل الحاجة إلى المبيد أقل، والمستقبل ليس في مصانع أكبر تنتج مدخلات أكثر، بل في مئات والآلاف من المراكز الحيوية الصغيرة التي تنتشر في القرى والمناطق الزراعية وحتى في المدن الحضرية المتوجهة للزراعة وإنتاج الغذاء.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.