Connect with us

رأي

النمل الأبيض.. حل مدهش لأزمة طاقة هرمز

نماذج «ميك بيرس» المستوحاة من تلال النمل الأبيض تقدم حلولًا تجعل المباني كيانات مستقلة تتنفس مع البيئة

في قلب العاصمة الزيمبابوية هراري، يقف “مركز إيستجيت” كشاهد حي على أن الحلول لأعظم أزماتنا قد تكمن تحت أقدامنا، وتحديدًا في هندسة تلال النمل الأبيض.

هذا المجمع المكتبي والتجاري الضخم، الذي يمتد على مساحة تقارب 56000 متر مربع، وافتتح في عام 1996، لم يكن مجرد إنجاز معماري، بل كان ثورة في مفهوم الاستدامة؛ إذ نجح في العمل دون أنظمة تكييف هواء تقليدية (فريون)، معتمدًا بدلًا من ذلك على نظام تهوية طبيعي يوفر 90% من استهلاك الطاقة مقارنة بالمباني المماثلة.

الطبيعة تخدم العمران

خلف هذا التصميم العبقري يقف المهندس المعماري الزيمبابوي ميك بيرس، وهو رائد في مجال العمارة البيئية والمحاكاة الحيوية.

بيرس، الذي اشتهر بتسخير الطبيعة لخدمة العمران، لم يكتفِ بإيستجيت، بل امتدت أعماله لتشمل مشاريع عالمية مثل مبنى Council House 2 CH2 في ملبورن بأستراليا، والذي حاز على أعلى تصنيفات المباني الخضراء.

النمل الأبيض هو حشرة تنتمي إلى رتبة متساويات الأجنحة، وهو أقرب بيولوجيًا إلى الصراصير منه إلى النمل العادي.

في علم البيئة، يُصنَّف النمل الأبيض كأحد أهم “حيوانات التربة” Soil Fauna، ويعيش في الغابات، التي تُعد الموقع المفضل له.

يُعد النمل الأبيض بمثابة المهندس الأول لتربة الغابات والمناطق الجافة، فهو ليس مجرد حشرة مستهلكة للخشب، بل هو كائن حيوي يعيد صياغة بيئته وهيكلة التربة من خلال بناء تلال طينية معقدة تُعد بمثابة أجهزة تنفس للأرض.

تطويع قوانين الفيزياء

تعمل هذه الكائنات على تقليب المغذيات العميقة ورفعها إلى السطح، مما يخلق بؤرًا من الخصوبة الفائقة تُعرف بـ”الواحات الحيوية”، التي تدعم نمو الغطاء النباتي حولها، كما تساهم أنفاقها في تحسين نفاذية المياه وتهوية جذور النباتات.

تكمن الأهمية القصوى لهذه العملية في قدرة النمل الأبيض على تطويع قوانين الفيزياء لصالحه؛ فهو يبني أبراجًا طينية تعمل كأنظمة تكييف ذاتية قادرة على طرد ثاني أكسيد الكربون وسحب الأكسجين، مع الحفاظ على درجة حرارة ورطوبة مثالية لنمو مزارع الفطر داخلها، وهو ما يضمن بقاء المستعمرة في بيئات قاسية قد تتجاوز فيها الحرارة الخارجية الأربعين درجة.

النمل مهندس معماري

وقد استلهم بيرس في إيستجيت آلية عمل هذه التلال، حيث استخدم مواد ذات “كتلة حرارية” عالية كالخرسانة والطوب لامتصاص الحرارة نهارًا وتبريدها ليلًا عبر مراوح تسحب الهواء البارد، مع استغلال “تأثير المدخنة” لطرد الهواء الساخن من الأعلى، محاكيًا بذلك دورة التنفس الطبيعية في مستعمرات النمل.

تكتسب هذه العبقرية المعمارية ثقلًا استراتيجيًا اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فبينما يشتعل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وتلوح في الأفق نذر إغلاق مضيق هرمز، وهو الشريان الذي يتدفق عبره خُمس استهلاك النفط العالمي، تجد المدن الحديثة نفسها رهينة لتقلبات أسعار الطاقة وإمدادات الوقود الأحفوري.

إن الاعتماد الكلي على التكييف الكهربائي في ناطحات السحاب الزجاجية التقليدية يجعلها عاجزة عن العمل في ظل أي انقطاع للطاقة، بينما تقدم نماذج ميك بيرس المستوحاة من تلال النمل حلولًا تجعل المباني كيانات مستقلة تتنفس مع البيئة.

التحول نحو هذا النمط من الهندسة الحيوية لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة أمنية واقتصادية ملحة لتجاوز اختناقات ممرات الطاقة العالمية وضمان استمرارية الحياة في مدن المستقبل.


د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر

– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات

– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء

– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.


مقالات سابقة للكاتب:

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©