لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لنقل النفط، بل أصبح نقطة اختناق خفية للأمن الغذائي العالمي. فالعالم لا يعتمد عليه فقط في الطاقة، بل في تدفق مدخلات زراعية حاسمة، على رأسها اليوريا والأسمدة الفوسفاتية.
ومع تصاعد التوترات، يُطرح سؤال أكثر عمقًا: ماذا لو توقف هذا الشريان؟ وهل يمكن للزراعة التجديدية أن تقدم بديلًا حقيقيًا يقلل هذا الاعتماد؟
أزمة عبر مضيق هرمز!
مؤخرًا نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية مقالًا تتوقع فيه حدوث أزمات غذائية في العالم نتيجة تكرر إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، حيث أشارت إلى أن ثلث إمدادات اليوريا عالميًا (المصدر الرئيسي للنيتروجين) وخُمس الأسمدة الفوسفاتية تمر عبر مضيق هرمز، مما يعني أن أي اضطراب في هذا الممر لا يهدد الطاقة فقط، بل يهدد قدرة العالم على إنتاج الغذاء نفسه.
تشير التقديرات إلى أن سوق اليوريا العالمي بلغت قيمته 79.73 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 104.88 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 3.90%.
وفي الوقت نفسه، سجل سوق الأسمدة الفوسفاتية 54.03 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بوصوله إلى 81.73 مليار دولار بحلول عام 2030.
مكمن الخلل الحقيقي
تكشف هذه الحقيقة خللًا عميقًا في بنية الزراعة الحديثة، فالنظام الزراعي السائد لم يعد قائمًا على خصوبة التربة، بل على تدفقات مستمرة من مدخلات كيميائية مستوردة.
ومع تدهور المادة العضوية نتيجة الزراعة المكثفة، أصبحت التربة أقل قدرة على تغذية النبات، وأكثر اعتمادًا على الخارج.
من هنا، تظهر الزراعة التجديدية كخيار استراتيجي، لا يعيد فقط بناء التربة، بل يعيد تصميم النظام الزراعي بالكامل من الداخل.
أحد أهم مسارات هذا التحول هو التثبيت الحيوي للنيتروجين، حيث يمكن تقليل الاعتماد على اليوريا عبر استخدام البكتيريا المثبتة للنيتروجين من الهواء الجوي، مثل بكتيريا الرايزوبيا التي تتكافل مع النباتات البقولية، أو البكتيريا الأخرى التي تعيش بشكل حر في التربة وتثبت الأزوت الجوي وتحوله إلى صورة متاحة للنبات.
في المقابل، لا تكمن أزمة الفوسفور في ندرته داخل التربة، بل في عدم إتاحته، فالتربة تحتوي على مخزون كبير منه في صورة غير ذائبة، وهنا يأتي دور الميكروبات والفطريات الجذرية (Mycorrhiza)، التي تعمل على إذابته وجعله متاحًا للنبات، مما يقلل الحاجة إلى الأسمدة الفوسفاتية المستوردة.
إعادة إحياء التربة
أما الركيزة الثالثة، فهي إعادة إحياء التربة عبر تدوير المخلفات العضوية إلى أسمدة عضوية حيوية، مثل الكمبوست وغيره. هذه الممارسات لا تضيف عناصر غذائية فقط، بل تعيد بناء شبكة حياة متكاملة داخل التربة، تشمل ديدان الأرض والكائنات الدقيقة، التي تعمل كـ”مهندسين حيويين” يحسنون بنية التربة ويزيدون كفاءتها في الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية.
هذا التحول لا يقتصر على الجانب البيئي، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي. فالدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة يمكنها تقليل فاتورة الواردات من خلال الاستثمار في خصوبة التربة محليًا. ومع الوقت، تتحول التربة من عبء يحتاج إلى تغذية مستمرة إلى أصل إنتاجي متجدد.
ورغم ذلك، لا يمكن اعتبار الزراعة التجديدية حلًا فوريًا، فإعادة بناء التربة تتطلب وقتًا وصبرًا، وقد تمر مرحلة انتقالية تنخفض فيها الإنتاجية نسبيًا. لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة النظام نفسه: نظام يعتمد على الإمداد الخارجي المستمر، مقابل نظام يبني قدرته الذاتية تدريجيًا.
نموذج زراعي هش!
في هذا السياق، تصبح الزراعة التجديدية وسيلة لتقليل التعرض للمخاطر، لا لإلغائها بالكامل، فهي لا تمنع الأزمات الجيوسياسية، لكنها تقلل من تأثيرها على الأمن الغذائي.
في النهاية، تكشف أزمة مضيق هرمز عن هشاشة نموذج زراعي قائم على الاعتماد الخارجي. وفي المقابل، تطرح الزراعة التجديدية مسارًا أكثر توازنًا، يعيد ربط الإنتاج الزراعي بقدرة التربة نفسها.
فالأمن الغذائي الحقيقي لا يمر عبر المضايق، بل ينبت من الأرض.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.
مقالات سابقة للكاتب: