قبل حوالي مائة عام، وفي الوقت الذي كان فيه الأطباء يعالجون كل الأمراض بالعقاقير الكيميائية والعمليات الجراحية، هتف الطبيب السويسري “ماكسيميليان بيرشر-بينر”: “اجعلوا طعامكم دواءكم”.
بيرشر-بينر، هو طبيب وعالم تغذية سويسري، يُعتبر أحد أهم رواد حركة التغذية الطبيعية والغذاء العضوي في العصر الحديث.
اشتهر عالمياً باختراع وجبة الفطور الشهيرة “الموسلي”، وكان من أوائل الذين نادوا بأن الغذاء الصحي الطازج هو أساس الشفاء من الأمراض، وليس فقط الأدوية الكيميائية.
من هو بيرشر-بينر؟
ولد ماكسيميليان بيرشر-بينر في 22 أغسطس 1867 في مدينة أراو بسويسرا، وتوفي في 24 يناير 1939 في زيورخ، وعاش فترة شهدت ذروة الثورة الصناعية (أواخر القرن 19 والنصف الأول من القرن العشرين).
في ذلك الوقت، بدأت الأغذية المصنعة والمعلبة تلوح في الأفق، واعتقد الناس أن اللحوم والبروتينات الحيوانية هي “غذاء الأغنياء والأقوياء” الوحيد، بينما كانت الخضار والفواكه تُعتبر أطعمة للفقراء وقليلة القيمة الغذائية.
لكن جاء بيرشر-بينر ليقلب هذه المفاهيم رأساً على عقب، فلم يكن مجرد طبيب يعالج المرضى في عيادته، بل كان مصلحاً صحياً أحدث ثورة في نظرة المجتمع للطعام.
فلسفة «الطعام الحي»
بيرشر-بينر كان يعتقد أن النباتات والخضروات الطازجة وغير المطبوخة تحتوي على “طاقة حيوية” تأخذها مباشرة من أشعة الشمس (ما نعرفه اليوم بالفيتامينات والمعادن والإنزيمات).
وكان يرى أن طهي الطعام لفترات طويلة يدمر هذه القيمة، فتحول بسبب فلسفته هذه إلى مدافع شرس عن النظام الغذائي النباتي القائم على الأطعمة الكاملة وغير المصنعة.
ابتكار وجبة “الموسلي”
ابتكر بيرشر-بينر طبقاً غذائياً سماه في البداية d’Spis (والذي أصبح يُعرف لاحقاً بالموسلي)، والوجبة الأصلية كانت تتكون من:
- تفاح مبشور طازج (مع القشر والبذور)
- رقائق شوفان منقوعة في الماء
- حليب مكثف ومحلى (لأن الحليب الطازج لم يكن آمناً من البكتيريا في وقته)
- عصير ليمون ومكسرات مبشورة
وقدم هذا الطبق لمرضاه كوجبة عشاء خفيفة وسهلة الهضم، وتحول اليوم إلى واحد من أشهر وأصح أطباق الفطور حول العالم.
مصحة «حيوية الشفاء»
افتتح في عام 1897 مصحة علاجية في زيورخ، اعتمد فيها على خطة علاجية ثورية في ذلك الوقت:
- منع المرضى من التدخين والكحول
- إلزامهم بنظام غذائي نباتي صارم يعتمد على الخضار والفواكه الطازجة والمكسرات
- التركيز على الرياضة في الهواء الطلق، والنوم المبكر، والعلاج بالماء
جذبت هذه المصحة مشاهير العالم من سياسيين وأدباء (مثل الكاتب الألماني توماس مان)، والذين نقلوا أفكاره إلى بلدانهم.
التمهيد للزراعة العضوية
رغم أن مصطلح “الزراعة العضوية” بشكلها الحالي تبلور لاحقاً، إلا أن أفكار بيرشر-بينر كانت مهمة، فقد كان يؤكد أن جودة الغذاء تأتي من جودة التربة والطبيعة، ومنع استخدام الكيماويات والمواد الحافظة في أطعمة مصحته، مما ألهم أجيالاً من المزارعين والعلماء للبحث عن طرق زراعة نظيفة تحافظ على “حيوية” النبات.
لم تكن نظريات ماكسيميليان بيرشر-بينر مجرد أسلوب علاج مؤقت، بل مثلت نقطة تحول جذرية في تاريخ التغذية الحديثة.
إن تنامي سوق الأغذية العضوية اليوم، والتوجه العالمي نحو الأنظمة النباتية والوجبات غير المصنعة، يعكسان التطبيق العملي والمستدام للمبادئ التي وضعها قبل عقود.
فقد أثبتت الأبحاث الطبية الحديثة صحة فرضياته حول العلاقة المباشرة بين جودة الغذاء الطبيعي والوقاية من الأمراض، مما يرسخ مكانته كأحد أبرز واضعي حجر الأساس لحركة الوعي الصحي والبيئي المعاصر.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.
مقالات سابقة للكاتب: