تزرع مصر هذا الصيف نحو 724.2 ألف فدان من الأرز، تتوزع على 9 محافظات؛ تتصدرها كفر الشيخ ثم الدقهلية، حيث تستأثران وحدهما بنصف هذه المساحة تقريبا، بينما تتقاسم المحافظات السبع الأخرى النصف الباقي.
على مدى نصف القرن الماضي، توارث الفلاحون أسطورة تزعم أن ديدان الأرض التي تعيش في التربة الطينية، وهي البيئة الأصلية لزراعة الأرز، تلحق أضرارا بالغة بالجذور من ناحيتين: الأولى، أنها تتغذى عليها، مما يؤدي إلى تقزم النبات، والثانية، أنها تلتف حول الجذور بكثافة، تخنقها وتمنع نموها.
وبناءً على هذه الخرافة، يعتقد المزارعون أن استخدام مبيد الفيوردان أو (الكاربوفوران) لقتل هذه الديدان هو الحل الحتمي للتخلص من مشاكلها المزعومة.
الدودة المظلومة!
قبل تفصيل الكارثة، يجب تصحيح الوهم: ديدان الأرض لا تتغذى على جذور الأرز الحية ولا تخنقها مطلقا، فديدان الأرض كائنات كاسحة تتغذى على بقايا المواد العضوية المتحللة والميكروبات المصاحبة لها، والتفافها حول الجذور يحدث لأن منطقة “الريزوسفير” (محيط الجذر) غنية بالإفرازات السكرية والمواد العضوية، ووجود الديدان هناك هو ما يمد النبات بالمغذيات الميسرة ويهوي التربة الغدقة، وقتلها هو تدمير لأكبر حليف طبيعي للمزارع.
حقول الأرز بطبيعتها بيئات شبه غدقة تعاني من نقص الأكسجين في بعض الفترات، وإضافة الفيوردان في المشاتل أو الأرض المستدامة تؤدي إلى قتل ديدان الأرض تماما، وغيابها يعني خسارة قنوات التهوية الطبيعية التي تصنعها، مما يؤدي إلى انضغاط التربة وزيادة ظروف الاختزال السيئة وضيق تنفس الجذور الحقيقي.
كذلك، الفيوردان يقضي على البكتيريا النافعة والفطريات المخترقة للجذور (المايكوريزا)، مما يمنع النبات من امتصاص الفوسفور والعناصر الصغرى كالزنك، فيضطر المزارع لزيادة الأسمدة الكيماوية لتعويض “العقم” الذي صنعه بيده.
الفيوردان أيضًا مبيد جهازي قوي جدًا، ينتقل عبر العصارة النباتية بسهولة: تمتص الجذور المادة الفعالة وتتحرك مع النتح لتصل إلى الأوراق، ثم تُخزن في الحبوب أثناء طور الامتلاء (الطور اللبني والعجيني). ومن جهة أخرى، لا تتكسر المادة الفعالة بالكامل، مما يترك متبقيات من الكاربوفوران في حبوب الأرز تتجاوز الحدود المسموح بها عالميا، مما يهدد صحة المستهلكين ويمنع تماماً تصدير المحصول.
الفلاح في خطر!
الفلاح المصري في الدلتا غالبا ما ينثر الحبيبات بيده دون أدوات حماية، ويمشي حافي القدمين في مياه المشتل، والملامسة الجلدية هنا شديدة الخطورة، فامتصاص المبيد عبر جلد القدمين واليدين، أو استنشاق غباره أثناء النثر، يثبط إنزيم الكولين إسترين فورا، مسببا الدوار، والصداع الشديد، وضيق حدقة العين، والقيء وسط الحقل.
كما أن مياه غسيل الملابس الملوثة بالمبيد، أو دخول الفلاح بملابسه الملوثة للمنزل، ينقل السموم للأطفال والزوجة، فضلاً عن أن التعرض المستمر بجرعات صغيرة (Sub-lethal doses) يسبب للفلاح وأسرته، على المدى الطويل، أمراضًا خطيرة مثل الفشل الكلوي والكبدي، واختلالات في الجهاز العصبي المركزي، وتشوهات أجنة في الأجيال الجديدة.
هناك أيضا كوارث على البيئة المحيطة والمنظومة الحيوية في الدلتا، فمياه الصرف من حقول الأرز المحقونة بالفيوردان تذهب مباشرة للمصارف العمومية (مثل مصرف كتشنر في كفر الشيخ والغربية، وبحر البقر في الشرقية، وجميعهم من محافظات الأرز)، مما يسبب إبادة جماعية لأسماك البلطي وحيوانات الماء.
أيضا الطيور مثل أبو قردان (صديق الفلاح) تلتقط حبيبات المبيد وتموت فورا، فضلا عن تلوث المياه الجوفية القريبة. وبسبب طبيعة الدلتا الرسوبية، تترشح المادة الفعالة للمياه الجوفية السطحية التي قد تستخدمها بعض القرى للشرب أو غسيل الأواني، مما يوسع دائرة التسمم.
فوائد مُهدرة!
من جهة أخرى، فإن وجود ديدان الأرض بكثرة في حقل الأرز يغير شكل التربة ويحسنها بشكل مباشر، فحركتها المستمرة وحفرها للأنفاق يعملان كعملية حرث طبيعية تحت الماء. هذه الأنفاق تهوي التربة وتسهل على جذور الأرز التنفس والنمو بحرية في الأعماق، كما أنها تحسن من صرف المياه وتمنع اختناق الجذور أو تعفنها.
بالإضافة إلى ذلك، تتغذى الديدان على بقايا قش الأرز والجذور الميتة وتحولها إلى سماد عضوي طبيعي عالي الجودة غني بالعناصر الأساسية (كاستنج الفيرمي كمبوست)، مما يرفع إنتاجية المحصول بنسبة تتراوح غالباً بين 15% إلى 30% حسب طبيعة الأرض، كما أنه ينشط البكتيريا النافعة التي تيسر العناصر في التربة، وبالتالي امتصاصها بشكل سهل بواسطة النبات، فضلاً عن احتفاظ التربة بها وعدم ضياعها مع مياه الغمر، مما يرفع خصوبة الأرض ويزيد من الإنتاج بشكل طبيعي وبدون تكاليف إضافية.
إن إنقاذ حقول الأرز المصرية من المقصلة الكيميائية للفيوردان يبدأ من نسف هذا الوهم الموروث، ومكافحة هذه المأساة لا تحتاج إلى قرارات ورقية، بل إلى معرفة زراعية حقيقية عبر أيام حقلية وحملات توعية ميدانية مستمرة مع الفلاح؛ ليتعلم أن ديدان الأرض لم تكن يوماً آفة تستوجب الإبادة، بل هي الطبيب الحقيقي والضمانة الأخيرة لحيوية تربته وصحتها.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.