استوقفتني صورة لترعة مبطنة أُنشئت لخدمة الزراعة ونقل المياه بكفاءة، لكنها امتلأت بالمخلفات والقمامة حتى فقدت جزءا كبيرا من دورها البيئي والاقتصادي. والمشكلة هنا لا تكمن في التلوث فقط، بل في ضياع مورد يمكن أن يكون مصدرا للغذاء والتنمية.
بدلا من النظر إلى الترع باعتبارها مجرد مجارٍ مائية، يمكن التعامل معها كرأس مال بيولوجي مجاني؛ إنتاجية تخدم المجتمع المحلي، فمع تنظيف الترع ومنع إلقاء المخلفات فيها، تصبح بيئة مناسبة لاستزراع الأسماك بصورة طبيعية.
الفكرة بسيطة.. تقوم القرية أو مجموعة من الأهالي بشراء زريعة الأسماك وإطلاقها في الترع المناسبة، مع توفير الحماية لها خلال فترة النمو، وتبقى تكلفة الزريعة محدودة مقارنة بما يمكن أن توفره من غذاء وعائد للمجتمع.
التزام متبادل
في المقابل، يلتزم الأهالي بالحفاظ على نظافة الترعة ومنع وصول القمامة والمخلفات إليها، فعندما تصبح الترعة مصدرا للرزق والغذاء، سيحرص الجميع على حمايتها بدلا من الإضرار بها.
كما أن نجاح الفكرة يتطلب التصدي للصيد غير القانوني، خاصة الصيد بالكهرباء أو الوسائل التي تدمر الثروة السمكية، فالحماية الجيدة خلال الأشهر الأولى هي أساس نجاح أي مشروع من هذا النوع.
ويمكن تشكيل لجنة تطوعية من شباب القرية لمتابعة النظافة والحماية والإبلاغ عن المخالفات، وهذه المشاركة المجتمعية تجعل الجميع شركاء في النجاح، وليسوا مجرد مستفيدين.
أما تمويل الزريعة، فيمكن أن يأتي من أحد القادرين من أبناء القرية، أو من مساهمات جماعية بسيطة، أو حتى في صورة صدقة جارية يستفيد منها الناس لسنوات طويلة.
ويقتصر دور الدولة هنا على الدعم الفني والإرشادي من خلال الجهات المختصة والجامعات ومراكز البحوث، للمساعدة في اختيار الأنواع السمكية المناسبة وأساليب الإدارة السليمة.
مياه وتنمية
تمتلك مصر آلاف الكيلومترات من الترع والمجاري المائية المرتبطة بالنيل وفروعه، وإذا أُحسن استغلال جزء من هذه الشبكة مع الحفاظ على نظافتها، فقد تمثل مصدرا مهما للبروتين وتحسين الأمن الغذائي في الريف.
قد تبدو الفكرة بسيطة، لكنها تجمع بين النظافة العامة وحماية البيئة وزيادة الغذاء وتنمية روح المشاركة المجتمعية. وربما يكون أفضل ما فيها أنها تعتمد على موارد موجودة بالفعل، وتحتاج إلى إرادة وتنظيم أكثر مما تحتاج إلى تمويل كبير.
بروتين أزرق مجاني.. مياه وتنمية تبدأ من ترعة نظيفة.
د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر
– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات
– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء
– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.