Connect with us

رأي

ثعبان السمك.. من سارجاسو إلى البرلس!

الحفاظ على «الأنقليس» في بحيراتنا هو واجب بيئي يتجاوز الحدود، لتظل مياه مصر مستودعًا آمنًا للحياة

من أعمق نقطة في المحيط الأطلسي إلى هدوء بحيرات مصر الشمالية، يكتب ثعبان السمك (الأنقليس) واحدة من أغرب قصص الهجرة والتكاثر في عالم الأحياء، رحلة غامضة وممتدة عبر آلاف الكيلومترات، حيّرت العلماء لأكثر من ألفي عام، وعجز حتى الفيلسوف “أرسطو” عن تفسيرها.

اللغز التاريخي

لعقود طويلة، لم يعثر الصيادون في مصر أو أوروبا على بيض أو يرقات حديثة لثعبان السمك، حتى ظن البعض أنها تنشأ تلقائيًا من الطين!

بدأ حل اللغز في أواخر القرن التاسع عشر عند اكتشاف يرقات شفافة تشبه ورقة الصفصاف تُدعى (Leptocephalus) في المحيط الأطلسي.

وبمتابعة أحجام هذه اليرقات، وجد العلماء أنها تصبح أصغر كلما اتجهوا غربًا، مما قادهم إلى استنتاج مذهل: بحر سارجاسو في غرب المحيط الأطلسي هو المهد الحقيقي والوحيد لولادة هذه الأسماك.

نقطة الالتقاء والتمايز البيولوجي

يتميز بحر سارجاسو بأنه نقطة تلاقٍ عالمية؛ حيث تجتمع فيه الثعابين البالغة القادمة من قارتين مختلفتين (أوروبا وأمريكا) لوضع البيض في أعماقه السحيقة.

وهنا تظهر معجزة التوجيه الجيني: فبينما تتجه اليرقات الأمريكية غربًا نحو سواحل أمريكا الشمالية، فإن اليرقات التي تخوض الرحلة الأطول شرقًا عبر الأطلسي لتصل إلى سواحل شمال أفريقيا، والبحر المتوسط، والبحيرات المصرية هي ثعابين السمك الأوروبية (Anguilla anguilla) حصرًا، وهي التي يعنينا أمرها في مياهنا الإقليمية.

الوصول إلى البحيرات المصرية

تبدأ دورة حياة اليرقات الأوروبية الشفافة بالاستسلام للتيارات البحرية الكبرى (مثل تيار الخليج) التي تحملها في رحلة سلبية تستغرق من سنة إلى ثلاث سنوات عبر المحيط الأطلسي كله.

عند اقترابها من السواحل، تتحول اليرقات إلى ما يُعرف باليرقات الزجاجية (Glass Eel)، وهي ثعابين صغيرة شفافة تكاد ترى من خلالها، وتدخل عبر البواغيز إلى بحيرات الدلتا المصرية مثل: البرلس – المنزلة – إدكو.

سنوات النمو

في موطنها المؤقت داخل بحيرة البرلس والترع والمصارف المحيطة، تقضي الثعابين فترة نمو وتغذية طويلة تمتد من 5 إلى 15 سنة أو أكثر. وتعيش هناك كحيوان مفترس ليلي بارع يتغذى على الديدان، والقشريات، والرخويات، والأسماك الصغيرة.

وعندما يحين وقت الهجرة والتكاثر، يطرأ على جسم الثعبان تحول بيولوجي عجيب يعيد برمجته بالكامل للرحلة الأخيرة: تتسع عيناه لتناسب أعماق المحيط المظلمة، ويتحول لون الجسم إلى الفضي ليصبح (Silver Eel)، ويتوقف تمامًا عن التغذية، وتزداد قدرته البدنية على السباحة.

العودة إلى المحيط

يغادر الثعبان الفضي بحيرة البرلس أو النيل، ليعبر البحر المتوسط ومضيق جبل طارق صعودًا في المحيط الأطلسي، ليقطع مسافة تتجاوز 5000 كيلومتر عائدًا إلى مهد طفولته في بحر سارجاسو؛ هناك يضع بيضه ويموت، تاركًا تفاصيل التزاوج الفعلي في الأعماق السحيقة سرًا غامضًا لم يشهده بشر حتى اليوم.

خارطة الحماية في البحيرة

لضمان استمرار هذه الدورة البيولوجية الفريدة، يتطلب الأمر تطبيق التدابير البيئية التالية:

  • تطهير وصيانة البواغيز: فتح وتطهير بوغاز البرلس بانتظام لضمان التدفق الطبيعي والمستمر لليرقات الوافدة من البحر إلى قلب البحيرة.
  • مكافحة صيد الزريعة غير القانوني: إحكام الرقابة على عمليات جمع اليرقات، لضمان توجيهها فقط إلى المزارع المرخصة أو تركها لتنمية المخزون الطبيعي الحر في البحيرة.
  • حماية الثعابين الفضية المهاجرة: تنظيم مواسم الصيد ومنع صيد الأفراد البالغة (Silver Eel) أثناء رحلة خروجها العكسية من البحيرة نحو المضيق، لضمان وصولها إلى مهدها بأمان وتأمين جيل جديد.

إن بحيرة البرلس ليست مجرد حوض مائي محلي، بل هي محطة استقبال رئيسية يعكس استقرارها بيئيًا سلامة المنظومة الحيوية العالمية بأكملها. وأي خلل في هذه المحطة (سواء بالتلوث أو الصيد الجائر أو الانسداد الهيدروليكي للبواغيز) لا يهدد الثروة السمكية المحلية فحسب، بل يقطع حلقة رئيسية من حلقات واحدة من أعظم الرحلات الغريزية على وجه الأرض.

الحفاظ على الأنقليس في بحيراتنا هو واجب بيئي يتجاوز الحدود، لتظل مياه مصر مستودعًا آمنًا للحياة، وممرًا آمنًا لجيل يعود للمحيط تلبيةً لنداء الطبيعة الأزلي.


د. خالد غانم – أستاذ الزراعة العضوية بجامعة الأزهر

– شغل منصب رئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر لمدة 10 سنوات

– مؤسس عديد من المشروعات والمبادرات الناجحة في البيئة والزراعة المستدامة ومجابهة تغير المناخ والغذاء

– مؤسس والرئيس التنفيذي لمشروع جاسوب 2 مصر، وهو مشروع لإعادة إنتاج المعرفة الزراعية يدمج بين المعرفة التقليدية والتراثية بالمعرفة الزراعية الحديثة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في الزراعة التجديدية.


مقالات سابقة للكاتب:

جميع حقوق النشر محفوظة، نوتشر 2020 - 2025 ©